فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 519

قال - تعالى شأنه: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 191] .

ذكر أبو السعود أن قوله (ويتفكرون) لا محل له من الإعراب لعطفه على (يذكرون) ، فهو منتظم معه في حيز الصلة، وردّ أن يكون في محل النصب على أن يكون معطوفا على الأحوال السابقة (قياما وقعودا وعلى جنوبهم) مكتفيًا بقوله:"وليس بظاهر" [1] .

ويغلب على ظني أن أبا السعود قصد بعدم ظهوره ضعفه من جهة المعنى؛ فإن المعنى اللازم لعطفه حالا كالأحوال السابقة أنهم يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ومتفكرين، وأقوى منه المعنى اللازم لعطفه على جملة الصلة مندرجا في حيزها، فهم يذكرون الله بلسانهم على تلك الأحوال والهيئات، ويتفكرون في خلقه بجنانهم، فالظاهر لي أن أبا السعود قد أصاب ليشمل المعنى الانشغال بالذكر قلبا ولسانًا. والله أعلى وأعلم.

وفي قوله - عز وجل: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُم} [الأنعام: 6] .

ذكر أبو السعود أن (كم) في محل النصب ب (أهلكنا) على المفعولية، يستوي في ذلك أن تكون استفهامية أو خبرية، وهي تفيد التكثير وقد علقت فعل الرؤية عن العمل وسدت مع ما في حيزها مسد مفعوله، لأن الرؤية في الآية عرفانية لا قلبية [2] .

ثم قال - رحمه الله-:"وأما انتصابها على المصدر به أو على الظرفية على أنها عبارة عن المصدر أو عن الزمان فتعسف ظاهر" [3] .

وكذا مما رد فيه الوجه ولم يعلل لرده ما جاء في قوله - جل ذكره-: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52] .

فقد جعل أبو السعود قوله (فتكون) جوابا للنهي في قوله (ولا تطرد) ، وردّ قول من عطفه على (فتطردهم) على طريقة التسبيب [4] قائلا:"وليس بذاك" [5] .

(1) تفسير أبي السعود 2/ 205.

(2) انظر: تفسير أبي السعود 3/ 13.

(3) السابق 3/ 13.

(4) والمعنى الإخبار بانتفاء حسابهم، وانتفاء الطرد والظلم المتسبب عن الطرد. انظر: البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي. تحقيق عادل أحمد عبد الموجود وعلى محمد معوض وآخرون، دار الكتب العلمية، ط/1، 1413 ه-1993 م، 4/ 141.

(5) تفسير أبي السعود 3/ 56.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت