فهرس الكتاب

الصفحة 442 من 519

وقد عني أبو السعود - رحمه الله - بهذه الجزئية فكان يفرق بين وجوه الإعراب - مرجحا ورادّا - على أساس من المعاني المنبثقة عنها.

وفيما يأتي أسوق طائفة من الشواهد التي كان فيها تغير الوظيفة النحوية لبعض أجزاء التركيب عاملا لتغير الدلالة وتنوعها بغض الطرف عن قبول أو رد أبي السعود لها.

في قوله - تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 42] .

احتمل قوله (وتكتموا) وجهين من الإعراب:

الأول: أن يكون معطوفا على قوله (ولا تلبسوا) مجزوما بجازمه، فهو داخل معه تحت حكم النهي، كأنهم أمروا بالإيمان وترك الضلال - وذلك في الآية السابقة - ونهوا عن الإضلال بالتلبيس على من سمع الحق والإخفاء عمن لم يسمعه [1] .

فالمعنى: أن الله - عز وجل- نهي بني إسرائيل - عليهم لعائنه - عن فعلين: نهاهم عن تلبيس الحق بالباطل في الأول، ونهاهم عن كتمان الحق مع العلم في الثاني، فنهاهم الله - تعالى- عن كل فعل على حدته، أي: لا تفعلوا لا هذا ولا هذا [2] .

الثاني: أن يكون منصوبا بأن مضمرة بعد واو المعية المفيدة للجمع، أي: لا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وبين كتمانه، وفيه إشعار بأن استقباح اللبس لما يصحبه من كتمان الحق [3] .

فالمعنى متوجه إلى أن مناط النهي هو الجمع بين الفعلين: اللبس مع الكتمان [4] . واستبعد بعض العلماء هذا الوجه؛ لأن كلا الفعلين منهى عنه، والتفريق في المنهى يفيد الجمع بالأولى - وهذا في وجه العطف - بخلاف العكس، اللهم إلا أن يقال إنما نهوا عن الأمرين معا على وجه الجمع تعريضا بهم بأنهم لا يرجا منهم أكثر من هذا الترك، وهو ترك اللبس المقارن لكتم الحق [5] . وأحسبه رأيا وجيها.

وفي قوله - عز شأنه: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [البقرة: 146، 147] .

(1) أبي السعود 1/ 192.

(2) الدر للسمين 1/ 321. وانظر: التحرير والتنوير للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، الدار التونسية للنشر، 1984 م، 1/ 470.

(3) أبي السعود 1/ 192.

(4) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور 1/ 470.

(5) السابق نفسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت