وقد ذهب البعض مذاهب شتى في تقدير المصدر المحذوف فقدره ب (أصلحوا ذات بينكم إصلاحا كما أخرجك) أو (أطيعوا الله طاعة كما أخرجك) أو (يتوكلون توكلا كما أخرجك) إلى غير ذلك من تقادير أجتزئ عنها بما ذكر [1] .
ومن الاختلاف في المحذوف ما جاء في توجيه قوله - سبحانه-: {قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى} [طه: 65] .
فقد اختلف محل (أنْ) وما في حيزها بين أن يكون للنصب بفعل مضمر، فالتقدير: اختر إلقاءك أولًا أو إلقاءنا، وبين أن يكون المحل للرفع على الخبر والمبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر إما إلقاؤك أو إلقاؤنا [2] .
وكذلك قوله - تعالى-: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ} [الحج: 18] .
ذكر أبو السعود في توجيه (كثير) أنها مرفوعة فاعلا لفعل مضمر يدل عليه المذكور، أي: ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة، أو مرفوعة على الابتداء [3] والخبر محذوف ثقة بدلالة خبر قسميه عليه [4] .
ومنه أيضا قوله - عز اسمه-: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ} [الشعراء: 208، 209] .
حيث تعدد توجيه (ذكرى) تبعا لاختلاف التقدير فكانت مرة مصدرا مؤكدا لفعل محذوف، وأخرى مرفوعة صفة ل (منذرون) بتقدير: (ذوو) ، وثالثة مرفوعة خبرا لمبتدأ محذوف [5] .
(1) لبقية التقديرات انظر: التبيان للعكبري 2/ 3، 4.
(2) انظر: أبا السعود 4/ 621.
(3) وقد ساغ الابتداء بالنكرة هنا لكونها موصوفة بشبه الجملة (من الناس) ، أو لكون المقام مقام تفصيل فيما بعده في قوله: (وكثير حق عليه العذاب) . انظر: تفسير أبي السعود 5/ 16 حاشية التحقيق.
(4) أبي السعود 5/ 16.
(5) راجع السابق 5/ 225.