فهرس الكتاب

الصفحة 434 من 519

وهكذا لم يعد النص في تصور النحاة هو المنطوق أو المكتوب، بل ما يمكن أن يفهم من المنطوق أو المكتوب. هذا فضلا عن اختلاف النحاة من حيث فهمهم للنص وتعدد مستويات التفكير بينهم، مما فتح الباب واسعا أمام تقادير عديدة ومختلفة للتركيب الواحد [1] .

ومن الاختلاف في تقدير المحذوف مما ورد في تفسير أبي السعود توجيه قوله - عزو جل-: {كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 265] .

ذكر أبو السعود لقوله (فطل) ثلاثة تقديرات اختلف توجيهها تبعا لكل تقدير منها: فإما أن يكون التقدير: (فطلٌّ يكفيها) [2] فهي مرفوعة بالابتداء، وقد جاز الابتداء بالنكرة هنا؛ لأنها في جواب الشرط، وهو من جملة المسوغات للابتداء بالنكرة، ومن كلامهم: (إنْ ذهب غيرٌ، فغيرٌ في الرباط) [3] .

وإما أن يقدر الفعل قبل (طل) فيكون: (فيصيبها طلٌّ) ، وهو المطر الخفيف الصغير القطر [4] ، وعليه تكون فاعلا لفعل محذوف لدلالة الشرط عليه [5] .

وإما أن يكون التقدير: فالذي يصيبها طل [6] ، أو فالمصيب لها طل، أو فمصيبها طل [7] ، فتكون خبرا لمبتدأ محذوف [8] .

ومنه قوله - تعالى-: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ} [النساء: 170] .

اختلف تقدير التركيب فاختلف توجيه نصب (خيرا) تبعا له، فهي مفعول به لفعل واجب الإضمار كما هو رأي الخليل وسيبويه، والتقدير: اقصدوا أو ائتوا أمرا خيرا لكم مما أنتم فيه [9] .

(1) انظر: أصول التفكير النحوي لأبي المكارم ص: 302 بتصرف.

(2) أبي السعود 1/ 453.

(3) اللباب لابن عادل 4/ 401.

(4) انظر: أبا السعود 1/ 453.

(5) التبيان للعكبري 1/ 165.

(6) أبي السعود 1/ 453.

(7) التبيان للعكبري 1/ 165.

(8) انظر: السابق نفسه، اللباب لابن عادل 4/ 401.

(9) أبي السعود 2/ 410.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت