والتعظيم، وسائر التعظيم والشتم ليس المراد منه التخصيص والتخليص من موصوف آخر، وإنما المراد المدح أو الذم" [1] ."
وقد وردت شواهد عدة تردد أبو السعود في توجيهها بين الإتباع بالعطف على ما قبلها وبين قطعها للنصب على الاختصاص مبينا الغرض من ذلك والمتمثل في التنبيه على فضيلتها أو تعظيمها وإنافتها على غيرها.
ولعل أبا السعود متأثر في هذا المسلك بالزمخشري في الكشاف؛ حيث كان أول من استخدم النصب على الاختصاص بمفهوم اتسع ليشمل النصب على المدح والذم والترحم، وتبعه على ذلك نحاة ومفسرون [2] .
ومن شواهد ذلك ما جاء في توجيه أبي السعود قوله - تعالى-: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ} [البقرة: 177] .
قال أبو السعود:" (والصابرين) نُصب على الاختصاص، غير سبكه عما قبله تنبيها على فضيلة الصبر ومزيته، وهو في الحقيقة معطوف على ما قبله. قال أبو على: إذا ذكرت صفات للمدح أو الذم فخولف في بعضها الإعراب فقد خولف للافتنان، ويسمى ذلك قطعا؛ لأن تغيير المألوف يدل على زيادة ترغيب في استماع المذكور ومزيد اهتمام بشأنه كما مر في صدر السورة" [3] .
وقد ذكر أبو السعود أنه قرئ (والصابرون) بعطفه على ما قبله، كما قرئ (الموفون) بالياء أيضا [4] .
فإن (الصابرون) جاءت مرفوعة بالعطف في قراءة، ومقطوعة للنصب على الاختصاص في أخرى.
ومن دلائل استخدام أبي السعود النصب على الاختصاص بمفهومه الواسع كما هو عند الزمخشري إيراده نص أبي على الذي أورده في صدر سورة البقرة - كما صرح هو نفسه- في قوله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ}
(1) السابق نفسه، وانظر: معاني النحو للسامرائي 2/ 106.
(2) انظر: تعقبات أبي حيان النحوية للزمخشري لمحمد حماد القرشي ص: 309، 310.
(3) أبي السعود 1/ 341. قال الزمخشري:"وأخرج (الصابرين) منصوبا على الاختصاص والمدح إظهارا لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال". الكشاف 1/ 200. وقال الطبري في علة القطع:"فإن من شأن العرب إذا تطاولت صفة الواحد الاعتراض بالمدح والذم بالنصب أحيانا، وبالرفع أحيانا". جامع البيان 3/ 89.
(4) انظر: أبا السعود 1/ 341.