ومثل ذلك ما جاء في قوله - عز وعلا-: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [الأنبياء: 41] .
قال أبو السعود:" (ما) إما موصولة مفيدة للتهويل، والضمير المجرور عائد إليها، والجار متعلق بالفعل، وتقديمه عليه لرعاية الفواصل، أي: فأحاط بهم الذي كانوا يستهزئون به؛ حيث أهلكوا لأجله، وإما مصدرية، فالضمير المجرور راجع حينئذ إلى جنس الرسول المدلول عليه بالجمع" [1] .
فهي إذا كانت موصولة كانت في محل رفع (فاعل) ، وجملة (كان) صلتها، والضمير في (به) عائد الصلة إلى (ما) ، وإذا كانت مصدرية فالمصدر (ما كانوا) في محل الرفع على الفاعلية، والضمير في (به) عائد على جنس الرسول المدلول عليه بلفظ الجمع في قوله (ولقد استهزئ برسل من قبلك) .
وفي قوله - تعالى-: {قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49] .
تحتمل (ما) أن تكون نافية لا محل لها، والمعنى: زهق الشرك بحيث لم يبق أثره، وذهب سلطانه فلا يبدئ ولا يعيد [2] . وتحتمل أن تكون استفهامية منصوبة بما بعدها [3] .
وفي قوله - عز وعلا-: {تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} [يس: 5، 6] .
ذكر أبو السعود في (ما) أربعة احتمالات:
الأول: أن تكون نافية، فالمعنى: لتنذر قوما لم ينذر آباؤهم الأقربون لتطاول مدة الفترة. وجملة (ما أنذر آباؤهم) في محل نصب صفة ل (قوما) [4] .
الثاني: أن تكون موصولة في محل نصب مفعول ثان ل (تنذر) ، والجملة بعدها صلتها، والتقدير: لتنذر قوما الذي أنذره آباؤهم [5] .
(1) أبي السعود 4/ 671.
(2) انظر: أبا السعود 5/ 458، وانظر: تيسير الكريم الرحمن للسعدي ص: 750.
(3) أبي السعود 5/ 458.
(4) انظر: أبا السعود 5/ 486.
(5) السابق نفسه.