تمهيد:
تتناول الدراسة في هذا الفصل - وهو أول فصولها -"منهج أبي السعود في تعدد التوجيه النحوي"، وقد عمدت الباحثة إلى جعل المنهج أولى محطات البحث؛ إذ أن كل عمل إنما هو نتاج منهج وخطة حاكمة، إذا تكشفت ملامحها بات فهم سائر تفاصيل العمل سهلا وميسورا ودقيقا أيضًا.
وقد توزع الفصل بين مباحث أربعة، خصصت المبحث الأول منها لمناقشة"الأسس العامة التي سار عليها أبو السعود في تفسيره كله"، وقد يبدو ذلك للوهلة الأولى من نافلة القول في الفصل، ولكنني أراه يلقي ضوءًا كاشفا مهمًّا لمنهج أبي السعود في تناوله لتعدد التوجيه، فهو غير منفك الصلة عن منهجه في تعدد التوجيه بصفة عامة.
ويقوم هذا المبحث على التقاط ملاحظات جزئية لكنها مطردة، لا تكاد تتخلف في التفسير كله بوصفها منهجا لعمل أبي السعود العقلي والعلمي فيه؛ حيث كان يتناول بعض المفردات ببيان المعنى المعجمي لها، ثم يعرض لبعض التحليلات الصرفية لبعض الكلمات ما احتاج الأمر لذلك، ثم يتبعها بمناقشة مسائل علم النحو وما يجوز في الآية من أوجه إعرابية مسخرا طاقات اللغة كلها لاستنطاق دلالة التركيب القرآني، مهتما في ثنايا تلك المناقشات بمباحث علم البلاغة من تقديم وتأخير، وتكرار، وحذف، وإيجاز وإطناب ... إلخ، واضعًا سياق الآي بعامة نصب عينيه مرجحا ورادًّا، مضعفا ومقويًا بالاحتكام إليه، ليصل بالنص القرآني إلى أبلغ الدلالات وأصوب المرادات.
وألمحت في هذا المبحث كذلك إلى ربط أبي السعود الواضح بين علم النحو وعلم المعاني، مما جعله يبرز دقائق للمعنى ما كان ليُتوصل إليها من دون هذا الربط.
هذا فضلا عن عدّ تفسير أبي السعود أحد تجليات نظرية النظم؛ حيث تجلى فيه بوضوح توخيه لمعاني النحو وأحكامه فيما بين معاني الكلم، فأخذ بعين الاعتبار تفاعل الكلمات وتضامّها على نحو مخصوص محتكما إلى المقام والسياق حتى يصل إلى مقصد الله - عز وجل - لِمَ قال ما قال؟
ثم ناقشت في المبحث الثاني"موقف أبي السعود من القراءات القرآنية"وكيف أن اهتمامه بالقراءات لم يكن من حيث هي قراءة لها ضوابطها وحدودها المحدودة في علم القراءات، وإنما كان اهتمامه بها لغويا، وقد استدللت على ذلك بعدة أمور: أولها: عدم اهتمامه كثيرا بعزو القراءات كما فعل غيره من المفسرين، ثانيها: إكثاره وتوسعه من الاستشهاد بالشاذ من القراءات، فلم يقتصر على المتواتر، ثالثها: أحكامه على القراءات كانت في مجملها أحكاما لغوية، فتارة يحكم عليها بأنها (لحن أو لغة أو ضعيفة أو مرذولة) ، رابعها: انصباب همه الأكبر على تحليل الظواهر الصوتية أو الصرفية أو النحوية الواردة في القراءة وبيان أيتها أبلغ دلالة