وفيما يلي ستحاول الباحثة عرض ومناقشة بعض نماذج التعدادات السابقة مما جاء في تفسيره رحمه الله.
(1) المبتدأ والخبر:
مما تعدد فيه التوجيه عند أبي السعود بين رفعه على الابتداء أو الخبر ما جاء في توجيهه قوله - عز اسمه: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} [آل عمران: 7] .
قال أبو السعود في توجيه قوله: (منه آيات) :"الظرف (منه) خبر، و (آيات) مبتدأ أو بالعكس بتأويل مر تحقيقه في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ} [البقرة: 8] ، والأول أوفق بقواعد الصناعة، والثاني أدخل في جزالة المعنى؛ إذ المقصود الأصلي انقسام الكتاب إلى القسمين المعهودين، لا كونهما من الكتاب، فتذكر. والجملة - من المبتدأ والخبر - مستأنفة أو في حيز النصب على الحالية من الكتاب، أي: هو الذي أنزل الكتاب كائنا على هذه الحال منقسمًا إلى محكم ومتشابه" [1] .
طرح أبو السعود في نصه السابق وجهين في رفع (آيات) :
أولهما: أن تكون مبتدأ مؤخرا، والجار والمجرور (منه) في محل رفع خبر مقدم [2] . ذلك هو (الأولى بقواعد الصناعة) النحوية، ف (آيات) نكرة سوغ الابتداء بها تقدم شبه الجملة (منه) عليها [3] .
ثانيهما: أن تكون (آيات) خبرا، والجار والمجرور (منه) نعت لمحذوف هو المبتدأ، تأويله: بعضٌ منه آيات محكمات وأخر متشابهات [4] . وقد صح الابتداء بالنكرة (بعض) لتخصيصها بالوصف [5] . وهذا ما ترجح لدى أبي السعود لكونه (أدخل في جزالة المعنى) ؛ إذ إن المقصود من قوله تعالى - وهو أعلم بمراده -
(1) تفسير أبي السعود 2/ 11، 12.
(2) انظر: التبيان للعكبري 1/ 180، إعراب القرآن للدرويش 1/ 394، إعراب القرآن الكريم وبيان معانيه لعثمان 2/ 12.
(3) انظر: جامع الدروس العربية للشيخ مصطفى الغلايينى، راجعه عبدالمنعم خفاجة، المكتبة العصرية، صيدا - بيروت، ط/28، 1414 ه-1993 م، 2/ 255.
(4) تكرر مثل ذلك التأويل عند أبي السعود في توجيهه قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ} [البقرة: 8] حيث قوى كون شبه الجملة مبتدأ باعتبار مضمونه أو نعتا لمحذوف هو المبتدأ، لا أن يكون خبرا مقدما للموصول (مَنْ) وفقا لمقتضي القواعد، وفارق الدلالة على الوجهين في تلك الآية أظهر وأجلى، انظر: ص: 469 من البحث، وانظر: التفسير 1/ 93.
(5) انظر: حاشية المحقق لتفسير أبي السعود 2/ 11.