وقد ذهب البعض لترجيح وجه الجر على البدل لعلة أخرى تضاف لعلة الفصل، وهى أن (فاطر) اسم فاعل، والمعنى ليس على المضي حتى تكون إضافته غير محضة فيلزم وصف المعرفة بالنكرة؛ لأنه في نية الانفصال من الإضافة، ولا يقال: الله فاطر السماوات والأرض فيما مضى فلا يراد حال ولا استقبال؛ لأن كلام الله تعالى قديم متقدم على خلق السماوات والأرض، فيكون المراد به الاستقبال قطعا، ويكون على نية التنوين [1] .
فقد استدل من رجح وجه البدل على النعت بعلتين: إحداهما صناعية هى مقتضى القاعدة بعدم الفصل بين الصفة والموصوف، والثانية دلالية وهى عدم جواز حمل كلام الله على المضى دون الحال والاستقبال، إلا أن الباحثة تميل إلى جعل (فاطر) صفة لاسم الجلالة؛ لأن المقام مقام إنكار لاتخاذ غير الله وليا [2] ، فلما كان الإنكار منصبا إلى كون الغير متخذا، لا إلى اتخاذ الولى مطلقا، كان الأولى أن تكون (فاطر) وصفا لله - تعالى وتقدس- بما يحقق ولايته ويصرف عن ولاية غيره؛ فأنَّي يجترأ ويستجاز في حق الله اتخاذ ولى غيره وهو فاطر السماوات واللأرض، مبتدؤهما على غير مثال سبق، وهويطعم ويرزق كل من سواه [3] .
وإذا أضيف لما سبق تقديم (غير) وهى المفعول الأول على فعلها (أتخذ) ؛ فلم يقل الله: (أأتخذ غير الله وليا) ، وإنما قال: أغير الله أتخذ وليا، بتقديم المفعول أولا، وإدخال أداة الاستفهام عليه ثانيا [4] ، لتشنيع تلك الفعلة الشنعاء وإنكارها، إذا أضيفت هذا لذاك حَسن موقع (فاطر) في النفس صفة عنها بدلا.
أما قراءة النصب، فقد جعل أبوالسعود (فاطر) منصوبة على المدح [5] ،"على معنى: أذكر وأعنى بهذا الاحتجاج عليهم؛ لأن من فطر السماوات والأرض، وأنشأ ما فيهما، وأحكم تدبيرهما، وأطعم من فيهما فهو الذي ليس كمثله شئ" [6] .
على أن العكبري قد ذهب في نصب (فاطر) مذهبا آخر فجعلها منصوبة على أحد وجهين: أولهما: أن تكون بدلا من (وليًّا) [7] ، والمعنى: أأجعل فاطر السماوات والأرض غير الله. وذكر البعض أن ذلك الوجه
(1) انظر: الدر المصون للسمين 4/ 555، اللباب لابن عادل 8/ 53.
(2) انظر: تفسير أبي السعود 3/ 21.
(3) انظر: نظم الدرر للبقاعي 7/ 34، 35.
(4) انظر: دلائل الإعجاز للجرجاني /119 - 121، نظم الدرر للبقاعي 7/ 34،35.
(5) انظر: تفسير أبي السعود 3/ 21. وانظر: معاني الفراء 1/ 328، معاني الزجاج 2/ 233
(6) معاني الزجاج 2/ 233.
(7) انظرالتبيان للعكبري 1/ 340.