ثانيها: أن يكون مرفوعًا فاعلًا ل (تعالى) [1] في قول: {سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام: 100] ، أي: تعالى بديع السماوت والأرض، فليس جملة مستقلة كما في الوجه الأول، وإنما هي جملة فعلية معطوفة على الفعل المقدر قبلها الناصب ل (سبحان) ؛ لأنه من المصادر اللازم إضمار ناصبها [2] .
ثالثها: أن يكون مرفوعًا على الابتداء، وخبره قوله (أنى يكون له ولد) [3] ، فالتركيب جملة واحدة لا يجوز الوقف فيها على (الأرض) كما في الوجه الأول [4] ، والجملة نفي للولد عن الله - عز وجل - من حيث المعنى بجهتين: إحداهما: انتفاء الصاحبة. والأخرى كونه بديعًا، أي: عديم المثل ومبدعًا لما خلق [5] .
وترى الباحثة أن رفع (بديع) على أنها خبر لمبتدأ محذوف، أوفق الأوجه للمقام، لما في الجملة الاستئنافية التي حذف فيها المبتدأ [6] من وجوه للبلاغة لا تتأتى على رفع (بديع) على الفاعلية أو الابتداء؛ فرفعه على الفاعلية يصل التركيب بما قبله، فتذهب بلاغة الاستئناف في مقام تنزيه الله - عز وجل - عن ولد وصاحبه وشركاء خرقها له - تقدس الله وتعالى- المشركون، فالفصل والاستئناف في هذا المقام أولى وأروع.
ورفعه على الابتداء على أن يكون (أنى يكون) خبرًا له، يُفقد التركيب ما أفقده إياه على الوجه السابق؛ لأن الاستئناف بجملة (أنى يكون) تكريس لأدلة ووجوه تنزيه الله - عز وجل - عما ادَّعاه عليه المبطلون.
فحذف المبتدأ هنا أحسن من ذكره، وإضماره في النفس أولى وآنس من النطق به [7] .
أما قراءة النصب (بديعَ) فقد جعلها أبو السعود - كغيره من العلماء- منصوبة على المدح [8] ، ودلالة قراءة النصب على المدح تعضد ما اختارته الباحثة من ترجيح وجه الرفع على الخبر إمعانًا في تنزيه الباري - عز وجل - عما لا يليق به.
(1) انظر: الكشاف للزمخشري 2/ 114، التبيان للعكبري 1/ 366.
(2) الدر المصون للسمين 5/ 88، اللباب لابن عادل 8/ 339.
(3) البحر لأبي حيان 4/ 197، الدر المصون للسمين 5/ 88، اللباب لابن عادل 8/ 339.
(4) انظر: منار الهدى للأشموني ص: 136.
(5) البحر لأبي حيان 4/ 197.
(6) انظر: دلائل الإعجاز للجرجاني ص: 147 - 152، في المواطن التي يطرد فيها حذف المبتدأ ومنها القطع والاستئناف.
(7) انظر: السابق ص: 153.
(8) انظر: تفسير أبي السعود 3/ 97.