فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 519

اختياره إلى حد بعيد ولاسيما وأن المقام كان مقام إعلام وإخبار بالبراءة فهي محط الفائدة؛ حيث بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - في هذا العام أميرًا على الحج ليقيم للناس مناسكهم، ويعلم المشركين ألا يحجوا بعد عامهم هذا، وينادي في الناس ببراءة [1] ، وقد كانت من أواخر ما نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [2] .

وأما قراءة النصب (براءةً) فقد جعلها أبو السعود منصوبة بفعل مضمر تقديره: اسمعوا براءة [3] ، وقد جعل البعض تقدير الفعل (الزموا) أو (التزموا) براءة، على أن تحمل معنى الإغراء [4] . وأرى أن تقدير (اسمعوا) أوفق وأقرب للمعنى والمقام من تقدير (الزموا) ، والله أعلى وأعلم.

ومن شواهد هذا التعدد أيضًا ما جاء في قوله - تعالى-: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار: 19] .

أورد أبو السعود لكلمة (يوم) قراءتين [5] : إحداهما بنصب (يوم) والأخرى برفعها [6] .

وقد وجه أبو السعود قراءة النصب بأن يكون (اليوم) منصوبًا بإضمار (اذكر) [7] ، كأنه قيل بعد تفخيم أمر يوم الدين وتشويقه عليه الصلاة والسلام إلى معرفته: اذكر يومَ لا تملك نفس ... ، فإنه يدريك ما هو [8] . فهو على هذا الوجه مفعول به لفعل محذوف، والفتحة حركة إعراب على رأي البصريين [9] .

(1) انظر: تفسير ابن كثير 7/ 136.

(2) انظر: السابق 7/ 135.

(3) تفسير أبي السعود 3/ 346. وانظر: الكشاف للزمخشري 2/ 276، اللباب لابن عادل 10/ 6.

(4) المحرر الوجيز لابن عطية 3/ 4، وانظر: أيضًا الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10/ 96.

(5) انظر: تفسير أبي السعود 6/ 497.

(6) قرأ الجمهور بنصب اليوم، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو من السبعة، ويعقوب من العشرة، وابن محيصن واليزيدي من غيرهم برفعه. انظر: حجة أبي زرعة ص: 753، 754، الكافي في القراءات السبع لأبي عبدالله محمد بن شريح الرعيني، تحقيق أحمد محمود عبدالسميع الشافعي، دار الكتب العلمية، ط/1، 1421 ه-2000 م، ص: 228، الإقناع في القراءات السبع لأبي جعفر أحمد بن على المعروف بابن الباذش، تحقيق أحمد فريد المزيد وتقديم فتحي عبد الرحمن حجازي، دار الكتب العلمية، ط/1، 1419 ه-1999 م، ص: 482، شرح الطيبة لابن الجزري ص: 327، البدور الزاهرة للقاضي 2/ 963، الإتحاف للبنا 2/ 595.

(7) انظر: البحر لأبي حيان 8/ 429، الدر المصون للسمين 10/ 713.

(8) تفسير أبي السعود 6/ 497.

(9) انظر: معاني القرآن للزجاج 5/ 296، الإتحاف للبنا 2/ 595.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت