قال أبو السعود في توجيه قراءة الرفع:" (براءةٌ) خبر مبتدأ محذوف، وتنوينه للتفخيم، و (من) في قوله - تعالى: (من الله ورسوله) ابتدائية متعلقة بمحذوف وقع صفة ل (براءة) ليفيدها زيادة تفخيم وتهويل، أي: هذه براءة مبتدأة من جهة الله تعالى ورسوله واصلة (إلى الذين عاهدتم من المشركين) ". [1]
ف (براءة) خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذه) ، و (من الله) - لدى أبي السعود- متعلقة بمحذوف صفة ل (براءة) ليزيدها تفخيمًا وتهويلًا [2] . وقد جوز غيره أن يتعلق (من الله) بنفس براءة؛ لأنها مصدر، كالشناءة والدناءة، ولأن مادة البراءة تتعدى ب (من) ، تقول: برئت من فلان، أبرأ براءة، أي: انقطعت العصبة بيننا [3] .
هذا، وقد نقل أبو السعود توجيهًا آخر لقراءة الرفع منتقدًا إياه، وهو أن تكون (براءة) مرفوعة بالابتداء، وخبرها قوله: (إلى الذين) ، وقد سوغ الابتداء بالنكرة تخصيصها بالوصف بشبه الجملة بعدها (من الله) [4] .
وقد جوز ذلك الوجه وصححه أكابر النحاة والمفسرين [5] ، إلا أن أبا السعود قد ردّه ورجّح ارتفاعها على أنها خبر لمبتدأ محذوف؛ لاقتضاء جزالة النظم ذلك الوجه؛"فهذه البراءة أمر حادث لم يعهد عند المخاطبين ذاتها ولا عنوان ابتدائها من الله ورسوله حتى يخرج ذلك العنوان مخرج الصفة لها، ويجعل المقصود بالذات والعمدة في الإخبار شيئًا آخر هو وصولها إلى المعاهدين. وإنما الحقيق أن يعتنى بإفادته حدوث تلك البراءة من جهته تعالى، ووصولها إليهم" [6] .
فاختيار أبي السعود للوجه الأول جاء بناء على جزالة المعنى؛ حيث إن الإخبار بحصول البراءة والإعلام بها في هذا المقام، أولى أن يحمل عليه النظم من الإخبار بوصولها للمعاهدين من المشركين. فالمعنى: هذه الآيات براءة، أي: تبرؤ من الله ورسوله، وقطع للأسباب ما بين المسلمين والمشركين [7] . وأرى أن أبا السعود قد وفق في
(1) تفسير أبي السعود 3/ 346.
(2) انظر: معاني القرآن للفراء 1/ 420، معاني القرآن للزجاج 2/ 428، التبيان للعكبري 2/ 14، إعراب القرآن الكريم للقاضي ص: 371.
(3) انظر: معاني القرآن للزجاج 2/ 428، اللباب لابن عادل 10/ 6.
(4) انظر: تفسير أبي السعود 3/ 346.
(5) انظر: الكشاف للزمخشري 2/ 276، المحرر الوجيز لابن عطية 3/ 4، البحر المحيط لأبي حيان 5/ 6، اللباب لابن عادل 10/ 6.
(6) تفسير أبي السعود 3/ 346.
(7) انظر: أحكام القرآن لابن العربي، تحقيق محمد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، ط/3، 1424 ه-2003 م، 2/ 446 بتصرف، وانظر: أيضًا الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 10/ 96، تفسير القرآن العظيم لابن كثير، تحقيق مصطفي السيد محمد وآخرين، مؤسسة قرطبة ومكتبة أولاد الشيخ للتراث، ط/1، 1421 ه-2000 م، 7/ 136.