ومن يكُ أمسى بالمدينة رحلُه ... فإني وقيَّارٌ بها لغريب [1]
ففيه تقديم وتأخير، معناه: فإني لغريب بها وقيار كذلك [2] . وهو اختيار سيبويه [3] .
وتوسط (الصابئين) بين اسم إن وخبرها دلالة على أن الصابئين - مع ظهور ضلالهم وزيغهم عن الأديان كلها حيث قبلت توبتهم- إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح فغيرهم أولى بذلك [4] . وقد أجاز أبو السعود أن يقدَّر الخبر ل (إنَّ) وتكون جملة (من آمن بالله ... ) خبرًا ل (الصابئين) [5] ومنه قول الشاعر:
وإلاَّ فاعلموا أنَّا وأنتم ... بُغاةٌ ما بقينا في شقاقِ [6]
فيجوز أن يكون (بغاة) خبرًا للثاني، ويقدر للأول خبر، والتقدير: أنَّا بغاة وأنتم بغاة، ويجوز أن يكون خبرًا للأول ويقدر للثاني خبر، والتقدير أنَّا بغاة، وأنتم كذلك [7] .
هذا، وقد ردَّ أبو السعود توجيهات أخرى لقراءة الرفع منها [8] :
1 -الرفع عطفًا على محل (إنَّ) واسمها؛ لأن خبر (إنَّ) لم يتم، وإلا لارتفع الخبر ب (إنَّ) والابتداء معًا. واعتُذر بأن ذلك إذا كان المذكور خبرًا لهما، وأما إذا كان خبر المعطوف محذوفًا فلا محذور فيه.
2 -الرفع عطفًا على الضمير في (هادوا) ومحله الرفع لأنه فاعل، ولم يجوزه أبو السعود لأن الضمير غير مؤكد ولا منفصل، ولأنه أيضًا يستلزم كون الصابئين هودًا، كأنه قال: هادوا هم والصابئون. وهو رأي الكسائي [9] .
(1) انظر: الكتاب لسيبويه 1/ 75، شرح أبيات سيبويه للنحاس ص: 45، خزانة الأدب للبغدادي 9/ 326.
(2) انظر: شرح أبيات سيبويه للنحاس ص: 45، التبيان للعكبري 1/ 320.
(3) انظر: الكتاب لسيبويه 2/ 155، والتبيان للعكبري 1/ 319.
(4) تفسير أبي السعود 2/ 515.
(5) السابق نفسه.
(6) وهو من شواهد الكتاب لسيبويه 2/ 156، وانظر: شرح أبيات سيبويه للنحاس ص: 47، 127.
(7) البيان في غريب إعراب القرآن للأنباري 1/ 300.
(8) انظر: تفسير أبي السعود 2/ 515، التبيان للعكبري 1/ 320.
(9) انظر: معاني القرآن لعلي بن حمزة الكسائي، قدم له عيسى شحاتة عيسى، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، د/ط، 1998 م ص: 125، معاني الفراء 1/ 312. قال الكسائي: (والصابئون) عطف على المضمر الذي في (هادوا) وقد ردَّ ذلك غير واحد من المعربين والنحاة منهم الزجاج في معانيه 2/ 194، والنحاس في إعرابه ص: 240، 241، والأنباري في البيان 1/ 300، 301، والعكبري في التبيان 1/ 320، وأبو حيان في البحر 3/ 541.