فهرس الكتاب

الصفحة 509 من 571

"وقررت الآيات توزيع عائد الفيء توزيعا عادلا، لا زال غرة في جبين الإنسانية، فجعلت نصيبا فيه للجيل الحاضر من المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، وصودرت ملكياتهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله، ومن الأنصار الذين فتحوا صدورهم، ودورهم لإخوانهم المهاجرين، فآووا ونصروا، وآثروا على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة، وأشركت مع هذا الجيل الذي بذل، وضحى أجيالا أخرى، عبر عنهم القرآن بقوله:"

{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا} (الحشر: 10) .

وبهذا علمتنا الآيات الكريمة: أن الأمة كلها وحدة متكاملة على اختلاف الأمكنة، وامتداد الأزمنة، وأنها - على مر العصور - حلقات متماسكة، يعمل أولها لخير آخرها، ويغرس سلفها ليجني خلفها، ثم يأتي الآخر، فيكمل ما بدأه الأول، ويفخر الأحفاد بما فعله الأجداد، ويستغفر اللاحق للسابق، ولا يلعن آخر الأمة أولها، وبهذا التوزيع العادل تفادى الإسلام خطأ الرأسمالية التي تؤثر مصلحة الجيل الحاضر، ومنفعته مغفلة- في الغالب - ما وراءه من الأجيال، كما تجنب خطأ الشيوعية التي تتطرف كثيرا إلى حد التضحية بجيل، أو أجيال قائمة في سبيل أجيال لم تطرق بعد أبوب الحياة.

ولهذا قال الفقيه الجليل معاذ بن جبل لأمير المؤمنين عمر- حين هم بقسمة الأرض أول الأمر على الفاتحين: والله إذن ليكونن ما تكره، إنك إن قسمتها اليوم صار الريع العظيم في أيدي القوم، ثم يبيدون، فيصير إلى الرجل الواحد، والمرأة، ثم يأتي بعدهم قوم يسدون من الإسلام سدا - يعني يدافعون عنه - وهم لا يجدون شيئا، فانظر أمرا يسع أولهم، وآخرهم، قال: فصار عمر إلى قول معاذ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت