البغاة المتأولون فقد أخطأ خطأ قبيحا، وضل ضلالا بعيد فإن أقل ما في البغاة المتأولين أن يكون لهم تأويل سائغ خرجوا به، ولهذا قالوا: إن الإمام يراسلهم فإن ذكروا شبهة بينها، وإن ذكروا مظلمة أزالها فأي شبهة لهؤلاء المحاربين لله ورسوله، الساعين في الأرض فسادا، الخارجين عن شرائع الدين؟!!، ولا ريب أنهم لا يقولون أنهم أقوم بدين الإسلام علما وعملا من هذه الطائفة، بل هم مع دعواهم الإسلام يعلمون أن هذه الطائفة أعلم بالإسلام منهم، وأتبع له منهم، وكل من تحت أديم السماء من مسلم وكافر يعلم ذلك، وهم مع ذلك ينذرون المسلمين بالقتال فامتنع أن تكون لهم شبهة بينه يستحلون بها قتال المسلمين. أهـ.
قلت: وابن تيمية هنا لا يجعلهم كالبغاة بل يحكم عليهم حكمًا خاصًا بهم فهم عنده مفسدون في الأرض، محاربون لله ولرسوله، وهو الصحيح والله أعلم.
قال أبو بكر الجصاص (1) :
وقد كانت الصحابة سبت ذراري مانعي الزكاة وقتلت مقاتلتهم، وسموهم أهل ردة لأنهم امتنعوا من التزام الزكاة وقبول وجوبها فكانوا مرتدين بذلك، لأن من كفر بآية من القرآن فقد كفر به كله. وعلى ذلك أجرى حكمهم أبو بكر الصديق مع سائر الصحابة حين قاتلوهم. ويدل على أنهم مرتدون بامتناعهم من قبول فرض الزكاة ما روى معمر عن الزهري عن أنس قال: لما توفى رسول الله r ارتدت العرب كافة فقال عمر يا أبا بكر أتريد أن تقاتل العرب كافة؟! فقال أبو بكر: إنما قال رسول الله r:"إذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة منعوني دماءهم وأموالهم". والله لو منعوني عقالًا مما كانوا يعطون إلى رسول الله r لقاتلتهم عليه. وروى مبارك بن فضالة عن الحسن قال: لما قبض رسول الله r ارتدت العرب عن الإسلام إلا أهل المدينة،