قلت: وعدم التذفيف على الجرحى أو اتباع المدبر حكم خاص بالبغاة المتأولين من أمثال أصحاب الجمل وصفين، وهو في نفس الوقت مخصوص بما إذا انكسرت شوكتهم، ودارت عليهم الدائرة، وولوا الأدبار ولم تكن لهم فئة ينحازون إليها ..
وما أخرجه ابن أبي شيبة - بسند صحيح عن زيد بن وهب كما قال ابن حجر آنفًا واضح الدلالة في هذه المسألة حيث قال:"فكف عليُّ يده حتى بدءوه بالقتال فقاتلهم بعد الظهر فما غربت الشمس وحول الجمل أحد، فقال علي: لا تتموا جريحًا ولا تقتلوا مدبرًا ومن أغلق بابه وألقى سلاحه فهو آمن"وفي الرواية الأولى قال"وغلب أصحاب علي ونادى مناديه: لا تتبعوا مدبرًا ولا تجهزوا جريحًا ولا تدخلوا دار أحد"أي أن عليًا t عنه ناشد جيشه بالكف عن الفارين لما فروا وبالكف عن التذفيف على الجرحى لما انهزم جيشهم ..
وقول مروان بن الحكم"ما هو إلا أن ولينا يوم الجمل فنادى مناديه: لا يقتل مدبر ولا يذفف على جريح"واضح للدلالة على ما نريد ..
أما إذا لم تحدث لهم الهزيمة ومازالت رحى المعركة دائرة وأن البغاة لهم فئة ينحازون إليها وشوكة ومنعة فيجوز الإجهاز على جريحهم واتباع مدبرهم إذا علم أنهم سيتحيزون لفئتهم ويعاودون القتال ..
فكل ما يؤدي إلى كسر شوكتهم والتعجيل بذلك يجوز القيام به لأن غرض القتال لا يتم إلا به ولأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ولأن الصائل يُدفع بما يندفع به، وهذا ما يفهم من قول أبي يعلي:"فإن أحاطوا بأهل العدل وخافوا منهم اصطلامًا جاز أن يدفعوا عن أنفسهم بما استطاعوا"