وضحنا في القسم الأول من هذا الفصل حكم الكفار الغير معاهدين وخلصنا إلى إباحة قتلهم للكفر، ووجوب قتالهم عند القدرة على ذلك ما لم يقبلوا الإسلام أو يعصم دمهم عقد ذمة أو صلح أو أمان.
ونبين في هذا القسم وهو القسم الثاني من هذا الفصل حكم الكفار المعاهدين، وهم كفار بين المسلمين وبينهم عقد معقود. وهو ما يصح لنا أن نطلق عليهم غير المحاربين.
قال ابن القيم (1) :
فاستقر أمر الكفار معه يعني - رسول الله r - بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام: محاربون له، وأهل عهد، وأهل ذمة، ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى الإسلام، فصاروا معه قسمين: محاربين، وأهل ذمة، والمحاربون له خائفون منه فصار أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلم مؤمن به، ومسالم له آمن، وخائف محارب. وقتال أهل الكتاب أفضل من قتال غيرهم وكان ابن المبارك يأتي من مرو لغزو الروم فقيل له في ذلك؟ فقال: إن هؤلاء يقاتلون على دين، وقد روي عن النبي r أنه قال: لأم خلاد:"إن ابنك له أجر شهيدين قالت: ولم ذاك يارسول الله؟ قال: لأنه قتله أهل الكتاب"رواه أبو داود. أهـ.
قال ابن قدامة (1) :
إذا بذلوا الجزية لزم قبولها وحرم قتالهم لقول الله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله. إلى قوله: حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) [التوبة:29] . أهـ. وعلى هذا فإن الكفار غير المحاربين هم الكفار الذين يُبرم بين المسلمين وبينهم عقد صلح أوعقد ذمة أو عقد أمان.