فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 308

قلت: وبهذا التأويل الذى أوَّل العلماء الآية به يصبح المعنى المقصود من هذه الآية مع افتراض عدم نسخها أن أهل الكتاب إذا رغبوا في مسالمتكم وإعطاء الجزية، فكفُّوا عنهم بذلك واقبلوا منهم الجزية، وبهذا الفهم فإن الآية لا تعني عصمة دم الكفار بمجرد جنوحهم للسلم بل هي مثلها مثل قول الله تعالى: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون التوبة 29 ..

وغاية ما تعنيه هو استثناء أهل الكتاب المسالمين من شرط دخول الإسلام أو القتل، وأضافت لهم مخرجًا ثالثًا هو دفع الجزية، وصار الطريق إلى عصمة دمهم هو عقد الذمة، وشرطه دفع الجزية وليس الكف فقط عن حرب المسلمين ..

الوجه الثالث:

أنه لو سلمنا أن الآية ليست منسوخة وأنها تمنع قتال المشركين والمحاربين أو قتلهم بمجرد جنوحهم إلى السلام فهذا لا يعني عصمة دمهم ابتداء، ولا يعني أن الغرض من قتالهم فقط هو دفع عدوانهم، ولكن الآية وضحت أن إمكانية الصلح والموادعة مع المشركين ممكنة إن رأى المسلمون مصلحة في ذلك ..

إنها تجوز للمسلمين قبول الصلح مع الكافرين من أهل الكتاب وغيرهم إذا دعت المسلمين ضرورة لذلك ورأوا فيه مصلحة لهم، ومن المعلوم من قواعد هذا الدين أن المحافظة على الدين وأنفس المسلمين من أن يستأصلهم الآخرون ضرورة يجب المحافظة عليها، وإن أدى ذلك بالمسلمين إلى أن يدفعوا مالًا للكافرين، كما سيأتي تفصيل لهذا المعنى في المبحث الرابع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت