من هنا نقول إن عقد الذمة الذي يعصم دم نصارى مصر غير موجود بحكم علو أحكام الكفر كما أسلفنا وبحكم مظاهرة النصارى للطوائف الحاكمة، ولم نعلم أن أحدًا من الطوائف الإسلامية المجاهدة في مصر قد عقد معهم أي نوع من أنواع الإتفاقات أو العقود، سواء كانت ذمة أو أمان.
إذا ثبت ذلك وقد ثبت فإن نصارى مصر يجري عليهم أحكام الكفار غير المعاهدين (1) على ما فصلناه في المبحث الأول.
ولكن قد تقتضي مصلحة الجهاد وإعلاء الدين في مصر عدم التعرض للنصارى المواطنين ما لم يقوموا بشيئ من المنكرات التي يُعاقب عليها حتى المسلمون، ومنها التجسس على المجاهدين أو الزنى بمسلمة أو غير ذلك من الأعمال التي
يعاقبون بها ليس لكونهم نصارى، ولكن لكونهم اقترفوا ما يوجب العقوبة.
فإن قيل من أين جئتم بهذا القول والأصل أنه يجب على المسلمين أن يبدؤوا الكفار بالقتال؟ ونصارى مصر كفار غير معاهدين.
قلت: لا شك أن الصحيح هو بدئ الكفار بالقتال إلا أن ذلك مرهون بالقدرة على ذلك، فالقدرة مناط التكليف كما هو معلوم، وهذا هو واجبنا تجاه الطوائف الكافرة فإذا كنا غير قادرين سقط عنا الوجوب ..
كما أن إباحة قتل الكافر لا يعني قتل كل كافر، حيث أن الكافر المقدور عليه يجوز قتله كما يجوز استرقاقه أو المن عليه ..