وعلى ذلك فإنني أرى والله أعلم: أن الذين يفسدون في الأرض بغير الحق وليس لهم تأويل سائغ بل يقومون بعدوانهم وإفسادهم وظلمهم لرغبة أو شهوة أو لرياسة أو جاه وحب سلطان لا يعاملون معاملة البغاة المتأولين بل يعاملون معاملة المفسدين المحاربين، كل حسب درجة معصيته إن كانت كفرًا يخرج من الملة، أم معصية لا تخرجه من دائرة الإسلام، ولئن يقاتل هؤلاء قتال المحاربين قطاع الطريق وإن كانوا جماعة أو طائفة كثيرة العدد أولى عندي من إنزالهم منزلة البغاة، فقطاع الطريق عصاة غلبت عليهم شقوتهم، أما البغاة فهم قوم خرجوا بتأويل سائغ في الدين.
قال ابن قدامة (1) : والخارجون عن قبضة الإمام أصناف أربعة: أحدهم قوم امتنعوا وخرجوا عن طاعته وخرجوا عن قبضته بغير تأويل فهؤلاء قطاع طريق ساعون في الأرض بالفساد يأتي حكمهم في باب مفرد. أهـ.
قال مالك رحمه الله (2) : لأن الخوارج خرجوا على التأويل والمحاربين خرجوا فسقًا وخلوعًا على غير تأويل. أهـ ..
قلت: وهذا يعني أن مالك يرى أن الذي يرتكب مخالفة شرعية بتأويل يختلف في حكمه عن الذي يقترف مخالفة معصية وفسادًا وبطرا.
قال ابن تيمية (3) : والعلماء لهم في قتال من يستحق القتال من أهل القبلة طريقان منهم من يرى قتال على يوم حروراء ويوم الجمل وصفين كله من باب قتال أهل البغي، وكذلك يجعل قتال أبى بكر لمانعي الزكاة، وكذلك قتال سائر من قوتل من المنتسبين إلى القبلة، كما ذكر ذلك من ذكره من أصحاب أبى حنيفة والشافعي ومن وافقهم من أصحاب أحمد وغيرهم، ولا يقولون إن أموالهم معصومة كما كانت، وما كان ثابتًا بعينه رد إلى صاحبه، وما أتلف في حال القتال لم