قال: لم أشته أن أكون فارسا، وأمير المؤمنين راجل، لحنتَ فلحنتُ، ونحوتَ فنحوتُ، فاستحسن أدبه وأجازه.
قال: وقد ذكرت هذه الحكاية عن غير هشام وفيها: لحن الأمير فلحنتُ، وأعرب فأعربتُ، وكرهتُ أن يلحن وأعربُ، فأكون مقرعا له في لحنه، أو ممتحنا له في فصل القول، فأعجبه ذلك وأجازه» اهـ.
قلت: وحكاها «الماوردي» عن الشعبي مع عبد الملك بن مروان قال للشعبي: «كم عطاءك؟ قال: «ألفين» . قال: لحنت: قال: لما ترك أمير المؤمنين الإعراب، كرهت أن أعرب كلامي عليه» اهـ.
وفي ذلك كلّه دليل على استحسان اطراح الإعراب في مخاطبة الأمراء إذا كانوا لا يحافظون عليه جهلا، أو مسامحة لما ظهر من غلبة اللحن على جميع الطبقات.
على أنّ من العلماء من كان يخاطبهم على مقتضى الطبع الغالب عليه فساد اللحن من غير اعتبار لاستحسان الأمراء لذلك أو كراهيتهم له.
فحكى الزبيدي عن الفراء أنه دخل على هارون الرشيد فتكلم بكلام لحن فيه مرات.
فقال جعفر بن يحيى: «إنه قد لحن يا أمير المؤمنين، فقال الرشيد للفراء: أتلحن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ طباع أهل البدو الإعراب، وطباع أهل الحضر اللحن، فإذا تحفظت لم ألحن، وإذا رجعت إلى الطبع لحنت، فاستحسن الرشيد قوله» .
توجيه: لعدم استحسان مخاطبة هذا الصنف بمقتضى هذه الصناعة إذا كانوا يستشعرون استدراك المعرب عليهم وجهان:
أحدهما: حفظ الأدب معهم على ما يشير إليه كلام الشّعبي وغيره، ولذلك قال الماوردي في معناه: «فإن ظهر منه يعني السلطان خطأ أو زلل في قول أو عمل، لم يجاهره بالرد، وعرّض له باستدراك زلله، وإصلاح خلله» .
قلت: كما حكى صاعد عن الأخفش قال: «كان أمير البصرة يقرأ على المنبر: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} برفع «الملائكة» فنبهته، فقال: تلحنون أمراءكم وتهدونني؟ ثم عزل، ووليها من بعده محمّد بن سليمان الهاشمي، فمضى على «الرفع» تلقينا من المعزول، فأتيته وهو في غرفة، وعنده أخوه، والغلمان على رأسه، فقلت: أصلح الله الأمير، عندي نصيحة، قال:
قل، فأومأت إلى أخيه، فنهض أخوه وتفرق الغلمان، فقلت: أنتم أهل بيت النّبوة والفصاحة، وأنت تقرأ «وملائكته» بالرفع، وهو (لحن) لا وجه له، فقال: جزاك الله خيرا، نبّهت، ونصحت، فخرجت، وإذا بغلة سفواء، وغلام، وجارية، وبدرة، وتخت ثياب، وقائل يقول: هذا لك من الأمير، فأخذت ذلك وانصرفت به مغتبطا» اهـ.