وفي هذا المقام حكي عن الأصمعي وصية الرشيد له بما يجمع هذا المعنى وغيره من أنواع الأدب معهم، لكنه ذكرها مختصرة، وغيره أوردها أطول من ذلك، ومساقها: قال: «قال لي الرشيد في أول يوم عزم فيه على تأنيسي: يا عبد الملك، أنت أحفظ منا، ونحن أعقل منك، لا تعلمنا في ملإ، ولا تسرع إلى تذكيرنا في خلاء، واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال، فإذا بلغت من الجواب قدر استحقاقه فلا تزد، وإياك والبدار إلى تصديقنا، وشدة العجب بما يكون منا، وعلمنا من العلم ما يحتاج إليه على عتبات المنابر، وفي أعطاف الخطب، وفواصل المخاطبات، ودعنا من رواية حوشي الكلام، وغرائب الأشعار، وإياك وإطالة الحديث، إلا أن يستدعي ذلك منك، ومتى رأيتنا صادين عن الحق فأرجعنا إليه ما استطعت من غير تقرير بالخطإ، ولا إضجار بطول الترداد. قال: قلت: أنا إلى حفظ هذا الكلام أحوج مني إلى كثير من البرّ» .
قلت: ينظر إلى استحسان الأصمعي لاستدراك الرشيد عليه في المعرفة
بالأدب، استحسان الشعبي لما اتفق له من ذلك مع عبد الملك بن مروان فيحكى عنه أنه قال: «قدمت على عبد الملك فما رأيت أحسن حديثا منه إذا حدث، ولا أحسن إنصاتا منه إذا حدّث، ولا أعلم منه إذا خولف، وأخطأت عنده في أربع.
حدثني يوما بحديث، فقلت: أعده علي يا أمير المؤمنين، فقال: أما علمت أنه لا يستعاد أمير المؤمنين.
وقلت له حين أذن لي عليه: أنا الشعبي يا أمير المؤمنين. فقال: ما أدخلناك حتى عرفناك. وكنيت عنده رجلا فقال: ما علمت أنه لا يكنى عند أمير المؤمنين.
وسألته أن يكتبني حديثا فقال: إنا نكتب ولا نكتب.
وقد روي أنه دخل عليه فخطّأه في مجلس واحد ثلاثا: سمع منه حديثا فقال: اكتبنيه فقال: نحن معاشر الخلفاء لا نكتب أحدا شيئا، وذكر رجلا فكناه، فقال: نحن معاشر الخلفاء لا تكنى الرجال في مجالسنا، ودخل عليه «الأخطل» فدعا له بكرسي فقال: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: الخلفاء لا تسأل، فأخجله في أول مقام».
الثاني: ما يتقى من بادرة كراهتهم لتوقيفهم على صدور اللحن منهم. انتهى انتهى {روضة الإعلام بمنزلة العربية من علوم الإسلام، للحميري} ...