{فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ:} بيان لاعتزالهم.
{وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ:} أي: سالموا وأسلموا غير مهاجرين.
{فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ:} جواب. بهذه الشّرائط لم يجعل الله لكم عليهم حجّة في قتالهم ونهب أموالهم.
91 - {سَتَجِدُونَ آخَرِينَ:} نزلت في أمثال نعيم بن مسعود الأشجعيّ وأشباهه، كانوا يظهرون الصّلح مكرا وحيلة.
ويحتمل أنّها في الذين نافقوا وأظهروا الإسلام، لا هاجروا ولا اتّصلوا بأصحاب المواثيق ولكن أقاموا بين ظهراني قريش معتذرين بأنّهم مستضعفون وهم كاذبون، فأمر الله بأسرهم وقتلهم حيث ثقفوا.
ويجوز قتل المنافق إذا اطّلع على كفره لقوله تعالى في المنافقين: {أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً} [الأحزاب:61] ، وإنّما لم يقتل ابن أبيّ بن سلول وأصحابه لنوع من المصلحة، ألا ترى أنّه لم ينكر على المستأذن في قتله.
92 - {وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً:} نزلت في عياش بن ربيعة المخزوميّ، كان قد خرج مهاجرا، فتبعه أبو جهل أخوه من أمّه والحارث بن زيد وردّاه إلى مكّة وعذّباه على
إسلامه، ثمّ تخلّص منهما وهاجر، وحلف بالله أن يقتل الحارث حيثما يراه، ثمّ أسلم الحارث ولم يعلم به عيّاش فرآه ذات يوم وحده في ظهر فناء فقتله، ثمّ سمع بإسلامه فندم، فأنزل الله الآية.
(ما كان) : ما جاز لمؤمن أن يقتل مؤمنا عمدا، المستثنى والمستثنى منه أحد اسمي الباقي، وليس على هذا التّقدير دليل إباحة القتل خطأ؛ لأنّه كالمسكوت عنه، وإثبات الشّيء بالذّكر لا يدلّ على نفي ما عداه. ويحتمل أنّ معناه قتل المؤمن المؤمن منهيّ عنه معاقب عليه إلاّ في الخطأ؛ لأنّ النّهي لا يتصوّر مع عدم القصد، والعقاب على الفعل لا يثبت مع الخطأ والنّسيان. ويحتمل ما جاز لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلاّ خطأ، فإنّ ذلك جائز مباح إذا كان غالب ظنّه أنّه كافر وأنّه يريد القتل.
{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ:} عتق عبد أو أمة، ويجزئ في ذلك الرّضيع الذي أحد أبويه مسلم.
و (الدّية) : قيمة الدّم، وهي مئة من الإبل: عشرون بنت مخاض، وعشرون ابن مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، لما روي عن خشف بن مالك الطّائيّ عن ابن مسعود أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قضى بالدّية في الخطأ أخماسا. وعن عبيدة السّلمانيّ أنّ عمر جعل الدّية على أهل الذّهب ألف دينار، وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم.