{لَوْلا:} هلاّ {أَخَّرْتَنا:} على وجه الطّلب، وذلك أنّه لمّا لزمهم فرض الجهاد خافوا القتل، وطلبوا التّأخير {إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ:} للتّخلّص في الحال، كما تقول للمطالب: خلّني ساعة.
وفي قوله: {قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ} تزهيد لهم في الدنيا، وقوله: {وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} ترغيب في الآخرة.
78 - {أَيْنَما تَكُونُوا:} نزلت في المنافقين الذين قالوا لإخوانهم: {لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا} [آل عمران:156] .
{وَلَوْ كُنْتُمْ:} تأكيد للشّرط، وتقديره: أينما تكونوا ولو كنتم في بروج مشيّدة يدرككم الموت.
وواحد (البروج) : برج، وهو القصر المرتفع سمّي برجا لظهوره، قيل: ومنه سمّى الكواكب بروجا.
و (تشييد) البنيان: تكرار الفعل في رفعه وإحكامه.
{وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ:} إخبار عن بعض المنافقين، تشاءموا بالنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقالوا: نقص بقدومه غلاّتنا وغلت أسعارنا، وهو قريب من قصّة آل فرعون، {فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ،} الآية [الأعراف:131] .
و (الفقه) : إدراك العلم بالفهم، فقه، إذا فهم، وفقه، إذا صار فقيها.
79 - {ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ:} ليس بين الآيتين تضادّ؛ لأنّه تعالى قال: ما أصابك من حسنة، ولم يقل: ما أصابهم من حسنة فمن الله وما أصابهم من سيّئة فمن نفسك، ولو كان قال هكذا لحملنا الأوّل على الحكاية والثّاني على الاستفهام بمعنى الإنكار. وهذه في معنى قوله:
{وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النّحل:53] ، {وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [الشّورى:30] ، أي: النّعم مبتدأة من الله تعالى قبل الاستحقاق والاستيهال، والحوادث إنّما يقضى بها لاستيهالنا إيّاها بكوننا محلاّ لها، ولاستيجابنا إيّاها بارتكاب الجرائم.
وإنّما قال: {وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً؛} لأنّ [في] قوله: {وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ} شهادة.
80 - {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ:} الإطاعة: الائتمار بأمر الآمر والانتهاء إلى قوله دون منة، أو أنه في فعله. وليس يطيع الرّسول من ينكر نسخ القرآن بالسّنّة، وإنّما كانت طاعته طاعة الله تعالى؛ لأنّه صلّى الله عليه وسلّم لم ينطق عن الهوى.
{فَما أَرْسَلْناكَ:} أي: لم نبعثك جبّارا عليهم لتحفظهم عن التّولّي بالخبر، قيل: وهذا منسوخ بآية السّيف، لم نبعثك رقيبا عليهم لتحفظهم في السّرّ والعلانية.