{سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنذَرْتَهُمْ} [البقرة: 6] ، بالوعد والوعيد وخوفهم بالعذاب الشديد {أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} [البقرة: 6] ، لم تحذرهم {لاَ يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 6] ، بما أخبرتم ودعوتهم إليه وأنذرتهم عليه؛ لأن روزنة قلوبهم إلى عالم الغيب منسدة بغشاوة حلاوة الدنيا وقلوبهم مغلوقة بحب الدنيا وشهواتها مغفولة عليها بمتابعة الهوى كما قال تعالى: {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} [محمد: 24] فما تشموا روائح الإنس من رياض القدس، بل هبت عليهم ريح ضرر الشقاوة من جهة حكم السابقة، وأدركهم بالختم على أقفالها كما قال تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ} [البقرة: 7] ، في الختم إشارة إلى بداية سوابق أحكام القدر بالسعادة والشقاوة على وفق الحكمة والإرادة الأزلية للخليقة، كما قال تعالى: {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105] ، مع حسن استعداد جميعهم بقبول الإيمان والكفر، ولهذا لما خاطب الحق ذراتهم بخطاب {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] ، قالوا: {بَلَى} جميعاً، ثم أودع الله الذرات في القلوب والقلوب في الأجساد، والأجساد في الدنيا في ظلمات ثلاث، وكانت روزنة القلوب كلها مفتوحة إلى عالم الغيب بواسطة الذرات المودعات التي سمعت خطاب الحق، وشاهدت كمال الحق إلى وقت ولادة كل إنسان كما قال صلى الله عليه وسلم:"كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه"وفيه إشارة إلى أن الله يكل الأشقياء إلى تربية الوالدين في معنى الدين حتى يلقونهم تقليد ما ألفوا عليهم آباءهم من الضلالة فيضلوهم، كما قال تعالى: {أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [الأنبياء: 54] ، فكانت تلك الشقاوة المقدر مضمرة في ضلالة التقليد والصفات النفسانية الظلمانية والهوى والطبيعة، ثم جعل تأثيرها وظلمتها ورينها يندرج إلى القلوب؛ فيقسيها ويسودها ويغطيها، ويسد روزنتها إلى الذرات فيعميها ويصمها حتى لا يبصر أهل الشقاوة