ولما كان الحبس في البرزخ أمراً لا بد منه مهولاً نبه عليه وعلى طوله بأداة التراخي فقال تعالى: {ثم تردون إلى عالم الغيب} أي: السر {والشهادة} أي: العلانية ، أو كل ما غاب عن الخلق ، وكل ما شوهد {فينبئكم} أي: يخبركم إخباراً عظيماً مستقصى مستوفى {بما كنتم} أي: بما هو لكم كالجبلة {تعملون} أي: بكل جزء منه بما برز إلى الخارج ، وبما كان في جبلاتكم ولو بقيتم لفعلتموه ليجازيكم.
{يا أيها الذين أمنوا} أي: أقروا بألسنتهم بالإيمان {إذا نودي} أي: من أي مناد كان من أهل النداء {للصلاة} أي: صلاة الجمعة {من} أي: في {يوم الجمعة} كقوله تعالى: {أروني ماذا خلقوا من الأرض} (فاطر: (
أي: في الأرض ، والمراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة ، لأنه لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نداء سواه ، كان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر أذن بلال ، وعن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر ، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثاني على الدور ، زاد في رواية فثبت الأمر على ذلك.
وعن أبي داود قال: كان يؤذن بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس يوم الجمعة على المنبر على باب المسجد ، روي أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن واحد فكان إذا جلس على المنبر أذن على باب المسجد ، فإذا نزل أقام الصلاة ، ثم كان أبو بكر وعمر وعلي بالكوفة على ذلك حتى إذا كان عثمان ، وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد أذاناً آخر ، فأمر بالتأذين الأول على داره التي تسمى زوراء ، فإذا سمعوا أقبلوا حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذن الأذان الثاني الذي كان على زمن النبي صلى الله عليه وسلم فإذا نزل أقام الصلاة ، فلم يعب ذلك عليه لقوله صلى الله عليه وسلم"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي".