وفي مضطرب الأحداث , وفي تيار الحياة المتدفق , تمت عملية بناء النفوس المختارة لتحقيق ذلك المنهج الإلهي في الأرض . فلم تكن هناك عزلة إلا العزلة بالتصور الإيماني الجديد , وعدم خلطه بأية رقع غريبة عنه في أثناء التكوين النفسي لهذه الجماعة . وكانت التربية المستمرة متجهة دائما إلى إنشاء هذا التصور الإيمانيالخاص المميز , المنعزل بحقيقته وطبيعته عن التصورات السائدة في العالم كله يومذاك , وفي الجزيرة العربية بصفة خاصة . أما الناس الذين ينشأ هذا التصور المتميز في نفوسهم فلم يكونوا بمعزل عن واقع الحياة ومضطرب الأحداث , بل كانوا يصهرون في بوتقة الحوادث يوما بعد يوم , ومرة بعد مرة , ويعاد صهرهم في الأمر الواحد والخلق الواحد مرات كثيرة , وتحت مؤثرات متنوعة ; لأن الله الذي خلق هذه النفوس يعلم أنها ليست كلها مما يتأثر ويستجيب ويتكيف ويستقر على ما تكيف به منذ اللمسة الأولى . وكان يعلم أن رواسب الماضي , وجواذب الميول الطبيعية , والضعف البشري , وملامسات الواقع , وتحكم الإلف والعادة , كلها قد تكون معوقات قوية تغلب عوامل التربية والتوجيه مرة بعد مرة . وتحتاج في مقاومتها إلى التذكير المتكرر , والصهر المتوالي . . فكانت الأحداث تتوالى كما هي منسوقة في قدر الله , وتتوالى الموعظة بها . والتحذير على ضوئها , والتوجيه بهديها , مرة بعد مرة .
وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقوم في يقظة دائمة وإلهام بصير , بالتقاط الأحداث والوقائع والمناسبات في كل فرصة , واستخدامها بحكمة بالغة في بناء هذه النفوس . والوحي والإلهام يؤيدانه ويسددانه (صلى الله عليه وسلم) حتى تصنع تلك الجماعة المختارة على عين الله . بتوفيق الله . على يدي رسول الله .