وكما أنه يعسر على ابن المهد فهم حقيقة التمييز قبل حصول التمييز ويعسر على المميز فهم حقيقة العقل وما ينكشف في طوره من العجائب قبل حصول العقل فكذلك يعسر فهم طور الولاية والنبوة في طور العقل فإن الولاية طور كمال وراء نشأة العقل كما أن العقل طور كمال وراء نشأة التمييز والتمييز طور كمال وراء نشأة الحواس وكما أن من طباع الناس إنكار ما لم يبلغوه ولم ينالوه حتى إن كل واحد ينكر ما لم يشاهده ولم يحصل له ولا يؤمن بما غاب عنه فمن طباعهم إنكار الولاية وعجائبها والنبوة وغرائبها بل من طباعهم إنكار النشأة الثانية والحياة الآخرة لأنهم لم يبلغوها بعد ولو عرض طور العقل وعالمه وما يظهر فيه من العجائب على المميز لأنكره وجحده وأحال وجوده فمن آمن بشيء مما لم يبلغه فقد آمن بالغيب وذلك هو مفتاح السعادات
وكما أن طور العقل وإدراكاته ونشأته بعيد المناسبة عن الإدراكات التي قبله فكذلك النشأة الآخرة بل أبعد فلا ينبغي أن تقاس النشأة الآخرة بالأولى وهذه النشآت هي أطوار ذات واحدة ومراقيها التي تصعد فيها إلى درجات الكمال حتى تقرب من الحضرة التي هي منتهى كل كمال وتكون عند الله عز وجل بين رد وقبول وحجاب ووصول فإن قبل رقي إلى أعلى العليين وإلا رد إلى أسفل السافلين والمقصود أن لا مناسبة بين النشأتين إلا من حيث الاسم ومن لم يعرف النشأة والبعث لم يعرف معنى اسم الباعث وشرح ذلك يطول فلنتجاوزه
تنبيه
حقيقة البعث ترجع إلى إحياء الموتى بإنشائهم نشأة أخرى والجهل هو الموت الأكبر والعلم هو الحياة الأشرف وقد ذكر الله سبحانه وتعالى العلم والجهل في كتابه العزيز وسماهما حياة وموتا ومن رقى غيره من الجهل إلى المعرفة فقد أنشأه نشأة أخرى وأحياه حياة طيبة فإن كان للعبد مدخل في إفادة الخلق العلم ودعائهم إلى الله تعالى فذلك نوع من الإحياء وهي رتبة الأنبياء ومن يرثهم من العلماء
الشهيد