ما الفرق بين الأمور الثلاثة وهي الكفر والفسوق والعصيان ؟ فنقول هذه أمور ثلاثة في مقابلة الإيمان الكامل لأن الإيمان الكامل المزين ، هو أن يجمع التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان أحدها: قوله تعالى: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر} وهو التكذيب في مقابلة التصديق بالجنان والفسوق هو الكذب وثانيها: هو ما قبل هذه الآية وهو قوله تعالى: {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} [الحجرات: 6] سمي من كذب فاسقاً فيكون الكذب فسوقاً ثالثها: ما ذكره بعد هذه الآية ، وهو قوله تعالى: {بِئْسَ الاسم الفسوق بَعْدَ الإيمان} [الحجرات: 11] فإنه يدل على أن الفسوق أمر قولي لاقترانه بالاسم ، وسنبين تفسيره إن شاء الله تعالى ورابعها: وجه معقول وهو أن الفسوق هو الخروج عن الطاعة على ما علم في قول القائل: فسقت الرطبة إذا خرجت ، وغير ذلك لأن الفسوق هو الخروج زيد في الاستعمال كونه الخروج عن الطاعة ، لكن الخروج لا يكون له ظهور بالأمر القلبي ، إذ لا اطلاع على ما في القلوب لأحد إلا لله تعالى ، ولا يظهر بالأفعال لأن الأمر قد يترك إما لنسيان أو سهو ، فلا يعلم حال التارك والمرتكب أنه مخطئ أو متعمد ، وأما الكلام فإنه حصول العلم بما عليه حال المتكلم ، فالدخول في الإيمان والخروج منه يظهر بالكلام فتخصيص الفسوق بالأمر القولي أقرب ، وأما العصيان فترك الأمر وهو بالفعل أليق ، فإذا علم هذا ففيه ترتيب في غاية الحسن ، وهو أنه تعالى كره إليكم الكفر وهو الأمر الأعظم كما قال تعالى:
{إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13] .
ثم قال تعالى: {والفسوق} يعني ما يظهر لسانكم أيضاً ، ثم قال: {والعصيان} وهو دون الكل ولم يترك عليكم الأمر الأدنى وهو العصيان ، وقال بعض الناس الكفر ظاهر والفسوق هو الكبيرة ، والعصيان هو الصغيرة ، وما ذكرناه أقوى.
ثم قال تعالى: {أُوْلَئِكَ هُمُ الرشدون} .