قال ابن عبد البر: إنه لما عاد من البحرين في عهد عمر -رضي الله عنه- ورغب إليه عمر أن يعود واليًا عليها مرة أخرى فأبى، لم يزل بالمدينة حتى مات. ولو سلّمنا -جدلًا- بصحة هذه الرواية؛ فإن أبا هريرة يدفع عن نفسه ما أشاعه بعض خصوم الأمويين، ثم إن الحديث الذي روى عن أبي هريرة ينفي نفيًا قاطعًا صحة هذه الرواية ويبين زيفها. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النبي -صلى الله عليه وسلم- قَالَ:"المدِينَةُ حَرَمٌ فَمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنهُ الله وَالملائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لا يُقْبَلُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَدْلٌ وَلا صَرْفٌ" (2) ليس فيها تلك الزيادة التي اختلقتها أيدي الواضعين في ذم الإمام عليّ، لينال أبو هريرة أجره من معاوية -رضي الله عنه- جميعًا.
وأما عن الخبر الثاني: وهو قول الشاب له: فأشهد بالله لقد واليت عدوه، وعاديت وليه، ثم قام عنه وانصرف. والجواب عليه: أولًا: حديث: (من كنت مولاه، فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) فهو حديث صحيح.
قال الألباني: ورد من حديث زيد بن أرقم، وسعد بن أبي وقاص، وبريدة بن الحصيب، وعلي بن أبي طالب، وأبي أيوب الأنصاري، والبراء بن عازب، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وأبي سعيد، وأبي هريرة -رضي الله عنه-، وقد ذكر الشيخ -رحمه الله- هذه الأحاديث بطرقها. ثم قال: وللحديث طرق أخرى كثيرة جمع طائفة كبيرة منها الهيثمي في (المجمع) وقد ذكرت وخرجت ما تيسر لي منها مما يقطع الواقف عليها بعد تحقيق الكلام على أسانيدها، بصحة الحديث يقينًا، وإلا فهي كثيرة جدًّا، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد، قال الحافظ ابن حجر: منها صحاح ومنها حسان. وجملة القول أن حديث الترجمة حديث صحيح بشطريه، بل الأول منه متواتر عنه - صلى الله عليه وسلم - كما يظهر لمن تتبع أسانيده وطرقه، وما ذكرت منها كفاية.