ثالثًا: وأما من حيث المتن. فلم يثبت أن معاوية حمل أحدًا على الطعن في علي -رضي الله عنه-، ولم يثبت عن أحد من الصحابة أنه تطوع في ذلك، أو أخذ أجرًا مقابل وضع الحديث، والصحابة جميعًا أسمى من أن ينحطوا إلى هذا الحضيض، ومعاذ الله أن يفعل هذا إنسان صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسمع زجره عن الكذب، وإن جميع ما جاءنا من هذه الأخبار الباطلة، إنما كان عن طريق أهل الأهواء المتعصبين لأهوائهم، فتجرأوا على الحق، ولم يقيموا للصحبة حرمتها، فتكلموا في خيار الصحابة واتهموا بعضهم بالضلال والفسق، وقذفوا بعضهم بالكفر، وافتروا على أبي بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وقد كشف أهل الحديث عن هؤلاء الكذبة، لذلك ناصبت أكثر
الفرق العداء لأصحاب الحديث، فاخترعوا الأباطيل وأرادوا أن تفقد الأمة الثقة بهم، ولكن الله أبى إلاّ أن يكشف أمر هذه الفرق، ويميط اللثام عن وجوه المتسترين وراءها، فكان أصحاب الحديث هم جنود الله بينوا حقيقة هؤلاء، وأظهروا نواياهم وميولهم، فما من حديث، أو خبر يطعن في صحابي، أو يشكك في عقيدة، أو يخالف مبادئ الدين الحنيف إلا بين جهابذة هذا الفن يد صانعه، وكشفوا عن علته.
الوجه الرابع: الأحاديث صحيحة بغير هذه الزيادات.
أما عن الخبر الأول: وهو قدوم أبي هريرة - رضي الله عنه - العراق، وقال: (أشهد بالله أن عليًّا أحدث فيها) فإنه من رواية الإسكافي، وقد عرفناه منزلة وأخباره، فلا نعلمه ولا نكاد نصدقه، وكيف يصح هذا العقول وعلي -رضي الله عنه- كان بالعراق، ومعاوية -رضي الله عنه- كان بالشام، وأبو هريرة كان بالحجاز، إذ الثابت أنه بعد أن تولى إمارة البحرين في عهد عمر -رضي الله عنه- لم يفارق الحجاز.