ثانِيهَا: أنه كان أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصديا فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات، ويظهر هذا من كثرة من حمل عن أبي هريرة، فقد ذكر البخاري أنه روى عنه ثماثمائة نفس من التابعين، ولم يقع هذا لغيره.
ثالثِهَا: ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - له بأن لا ينسى ما يحدثه به.
رَابعهَا: أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب فكان ينظر فيها ويحدث منها فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين.
تلك أسباب هامة في قلة رواية عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهم - بالنسبة لما تحمله عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تنفي ما زعموه هؤلاء الجهلة.
فإن قلة مرويات عبد الله بن عمرو لم تعد تثير أي شك، أو تدخل أية شبهة على مرويات أبي هريرة - رضي الله عنه - الكثيرة، بالرغم من تصريحه عن كثرة حديث ابن عمرو، بعد أن عرفنا تلك الأسباب التي كان لها أثر بعيد في قلة مروياته.
الشبهة التاسعة: يقولون: أين باقي الصحابة من مرويات أبي هريرة؟
إن كثرة روايته وقع لأسباب تقدم بعضها ومن ذلك:
الأول: صحيح أن الصديق والفاروق، وذا النورين، وأبا الحسن - رضي الله عنهم - سبقوا أبا هريرة في صحبتهم وإسلامهم، ولم يُرو عنهم مثل ما رُوي عن أبي هريرة، إلا أن هؤلاء اهتموا بأمور الدولة وسياسة الحكم، وأنفذوا العلماء والقراء والقضاة إلى البلدان فأدوا الأمانة التي حملوها، كما أدى هؤلاء الأمانة في توجيه شئون الأمة، فكما لا نلوم خالد بن الوليد - رضي الله عنه - على قلة حديثه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ لانشغاله بالفتوحات.
لا نلوم أبا هريرة - رضي الله عنه - على كثرة حديثه لانشغاله بالعلم، وهل لأحد أن يلوم عثمان - رضي الله عنه - أو عبد الله بن عباس - رضي الله عنه -؛ لأنهما لم يحملا لواء الفتوحات، فكلٌ ميسرٌ لما خُلق له.