قد تكون مقولة أبي هريرة - رضي الله عنه - قبل الدعوة النبوية لما طلب منه أن يبسط رداءه فبسطه ثم ضمه بعد أن دعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينس شيئًا قط وصار بذلك أحفظ الصحابة.
قال ابن حجر: ويحتمل أن يقال تحمل أكثرية عبد الله بن عمرو على ما فاز به عبد الله من الكتابة قبل الدعاء لأبي هريرة؛ لأنه قال في حديثه فما نسيت شيئًا بعد، فجاز أن يدخل عليه النسيان فيما سمعه قبل الدعاء بخلاف عبد الله؛ فإن الذي سمعه مضبوط بالكتابة، والذي انتشر عن أبي هريرة مع ذلك أضعاف ما انتشر عن عبد الله بن عمرو لتصدي أبي هريرة لذلك ومقامه بالمدينة النبوية بخلاف عبد الله بن عمرو في الأمرين.
الوجه الثالث: قد يكون الاستثناء منقطع، وعند ذلك فلا إشكال.
قال ابن حجر: فَإِنْ قُلْنَا الاسْتِثْنَاء مُنْقَطِع فَلَا إِشْكَال، إِذْ التَّقْدِير: لَكِنَّ الَّذِي كَانَ مِنْ عَبْد الله وَهُوَ الْكِتَابَة لَمْ يَكُنْ مِنِّي، سَوَاء لَزِمَ مِنْهُ كَوْنه أَكْثَر حَدِيثًا لمَا تَقْتَضِيه الْعَادَة أَمْ لَا.
الوجه الرابع: قد يكون هذا على حسب ظنه.
والمعنى: أنه ظن بسبب كتاب عبد الله بن عمرو، قد صار أكثر رواية منه.
ولعل هذا على حسب ظنه - رضي الله عنه -، وأنه كان يتوقع أن عبد الله بن عمرو أكثر منه؛ لأن المكتوب الذي يرى ليس كالمحفوظ فالمحفوظ موجود في الأذهان لا وجود له في الأعيان فلا يمكن بيان حجمه ما دام موجود في الأذهان.
الوجه الخامس: أسباب كثرة رواية أبي هريرة عن عبد الله بن عمرو
وإذا استبعدنا هذه الوجوه، فكل ما في الأمر أن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - حمل من الحديث عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - أكثر من أبي هريرة - رضي الله عنه -، إلا أنه لم يتيسر له نشره لأسباب:
قال ابن حجر:
أحَدهَا: أن عبد الله كان مشتغلا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم فقلت الرواية عنه.