هذه دعوى فاجرة لم يستطع -المدعي- أن يجد لها دليلًا سوى التخيل وتحريف نصوص العلماء.
وهذا كذب مضحك؛ لأن كعبًا لم يدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلا يعقل أن يروي صحابة الرسول أحاديثه عمن لم يدركه، وإنما يذكر ذلك في بيان أخذهم عن كعب -وغيره من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا- أخبار الأمم الماضية وتواريخها، وقد صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، وَلا تُكَذِّبُوهُمْ". فتروى أخبارهم على جهة العظة والاعتبار، لا على أنها حاكمة على ما جاء في القرآن أو مهيمنة عليه، بل أخبار القرآن هي الحاكمة والمهيمنة.
فليس في تحديث أبي هريرة عن كعب أي حرج أومانع، وقد سمح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك وقال:"حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج" (4) ، ولكن ليس لأحد أن يزعم أنه كما ينسب ما يحدث به عن كعب إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وبأن وجه الحق فيما رويناه من أن بعض من كان يسمع ذلك كان يخطئ في نسبة ما سمع من أبي هريرة إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فما جريمة أبي هريرة في ذلك؟.
الشبهة الثامنة: يقولون: إن أبا هريرة اعترف بأن مرويات ابن عمرو أكثر، فأين هي؟
ويستشهدون بقول أبي هريرة: مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ"."
والرد على ذلك من وجوه:
الوجه الأول: بيان معنى قول أبي هريرة.
فإن الحديث يدل على أن عبد الله بن عمرو كان أكثر أخذًا للحديث من أبي هريرة لأنه كان يكتب، وأبو هريرة لا يكتب (2) ؛ لأنا نقول: إن عبد الله كان أكثر تحملًا، وأبو هريرة كان أكثر رواية، فإن قلت: كيف يكون الأكثر تحملا وهو داخل تحت عموم المهاجرين؟ قلت: هو أكثر من جهة ضبطه بالكتابة وتقييده بها، وأبو هريرة أكثر من جهة مطلق السماع.
الوجه الثاني: أن هذا ليس عامًا فقد يكون في أول إسلام أبي هريرة.