ثم قال: إن عمر قد حدث بحديث كثير عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد روى عنه خمسمائة حديث ونيف، على قرب موته من موت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فهو كثير الرواية، وليس في الصحابة أكثر رواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من عمر بن الخطاب، ألا بضعة عشر منهم فقط.
ولو سلمنا جدلًا بصحة الرواية فهناك خلاف في المحبوسين، فالذهبي يذكر ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا مسعود الأنصاري، بينما ذكر ابن حزم ابن مسعود وأبا الدرداء وأبا ذر، فهل تكرر الحبس من عمر؟ ولو تكرر لاشتهر، ثم إن حادثة كهذه سيطير خبرها في الآفاق من غير أن تحتمل الشك في المحبوسين؛ لأنهم من أعيان الصحابة، ولو سلمنا أن العبرة في الحادثة نفسها من حيث حبسه بعض الصحابة، دون نظر إلى أعيانهم وأشخاصهم؛ لأنهم أكثروا الرواية، قلنا: قد كان غير هؤلاء أكثر منهم حديثًا، ولم يردنا خبر عن حبسهم، فلا يعقل أن يحبس أمير المؤمنين بعضًا دون بعض في قضية واحدة هم فيها سواء، وهي كثرة الحديث، معاذ الله أن يفعل هذا عمر - رضي الله عنه -.
فهل يتصور إنسان أن يحبس عمر، ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا ذر، أو ابن مسعود الأنصاري، وقد عرف حفظهم وورعهم؟ بل إن عمر - رضي الله عنه - امتن على أهل العراق كما أسلفنا عندما أرسل إليهم عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، فكتب إلى أهل الكوفة: إني والله الذي لا إله إلا هو آثرتكم به على نفسي، فخذوا منه. وذكر عمر ابن مسعود فقال: كنيف ملئ علما آثرت به أهل القادسية.
كيف يأمر الناس بالأخذ منه، ويشهد له بالعلم، ثم يحبسه؟.
وما ورد على حبس ابن مسعود يرد على الصحابة الباقين، ففيهم أبو الدرداء إمام الشام وقاضيها ومعلمها القرآن.
وبهذا البيان لا يرقى إلى الصحة خبر حبس عمر - رضي الله عنه - الصحابة - رضي الله عنهم -؛ لأنهم أكثروا من الرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل إنه يُروى عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه نهى عن الإكثار من الرواية، فهل يُتصور أنه ينهى عن شيء ويفعله؟ وقد ورد عنه قوله: ليس العلم بكثرة الحديث، ولكن العلم بالخشية.