قال الحافظ ابن حجر: ودل أمره لهم بالقيام على أن أمره الأول كان على الاختيار ولهذا عاش - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك أيامًا ولم يعاود أمرهم بذلك، ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم، لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف، وقد كان الصحابة يراجعونه في بعض الأمور ما لم يجزم بالأمر، فإذا عزم امتثلوا.
الوجه الثاني: قصدوا التخفيف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
قال الإمام البيهقي: إنما قصد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بما قال التخفيف على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رآه، قد غلب عليه الوجع، ولو كان ما يريد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكتب لهم شيئًا مفروضًا، لا يستغنون عنه لم يتركه باختلافهم ولغطهم لقول الله عز وجل: {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}
[المائدة: 67] كما لم يترك تبليغ غيره بمخالفة من خالفه، ومعاداة من عاداه، وإنما أراد ما حكا سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله، أن يكتب استخلاف أبي بكر ثم ترك كتابته اعتمادًا على ما علم من تقدير الله تعالى، ذلك كما هم به في ابتداء مرضه حين قال:"وارأساه"، ثم بدا له أن لا يكتب وقال:"يَأْبَى الله وَالمُؤْمِنُونَ إِلا أَبَا بَكْر"، ثم نبه أمته على خلافته، باستخلافه إياه في الصلاة حين عجز عن حضورها، وإن كان المراد به رفع الخلاف في الدين، فإن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - علم أن الله تعالى قد أكمل دينه بقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ، وعلم أنه لا تحدث واقعة إلى يوم القيامة إلا وفي كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بيانها نصًا أو دلالة. وفي نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جميع ذلك في مرض موته مع شدة وعكه مما يشق عليه، فرأى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الاقتصار على ما سبق بيانه نصًا أو دلالة تخفيفًا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
الوجه الثالث: وقد قيل: إن عمر خشي تطرق المنافقين ومن في قلبه مرض لما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة.