قال المازري: إن قيل: كيف جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب مع قوله - صلى الله عليه وسلم:"ائتوني أكتب"، وكيف عصوه في أمره، فالجواب: أنه لا خلاف أن الأوامر تقارنها قرائن تنقلها من الندب إلى الوجوب عند من قال: أصلها للندب، ومن الوجوب إلى الندب عند من قال: أصلها للوجوب، وتنقل القرائن أيضًا صيغة افعل إلى الإباحة، وإلى التخيير، وإلى غير ذلك من ضروب المعاني؛ فلعله ظهر منه - صلى الله عليه وسلم - من القرائن ما دل على أنه لم يوجب عليهم، بل جعله إلى اختيارهم فاختلف اختيارهم بحسب اجتهادهم وهو دليل على رجوعهم إلى الاجتهاد في الشرعيات فأدَّى عمر - رضي الله عنه - اجتهاده إلى الامتناع من هذا ولعله اعتقد أن ذلك صدر منه - صلى الله عليه وسلم - من غير قصد جازم وهو المراد بقولهم: هجر، وبقول عمر:
غلب عليه الوجع، وما قارنه من القرائن الدالة على ذلك على نحو ما يعهدونه من أصوله - صلى الله عليه وسلم - في تبليغ الشريعة وأنه يجري مجرى غيره من طرق التبليغ المعتادة منه - صلى الله عليه وسلم - فظهر ذلك لعمر دون غيره فخالفوه.
قال القرطبي وغيره: ائتوني أمرٌ وكان حق المأمور أن يبادر للامتثال لكن ظهر لعمر - رضي الله عنه - مع طائفةٍ أنه ليس على الوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلح، فكرهوا أن يكلفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة مع استحضارهم قولَه تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام: 38] وقوله: {تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} [النحل: 89] ، ولهذا قال عمر: حسبنا كتاب الله، وظهر لطائفةٍ أخرى أن الأولى أن يكتب لما فيه من امتثال أمره وما يتضمنه من زيادة الإيضاح ودل أمره لهم بالقيام على أن أمره الأول كان على الاختيار.
قال القرطبي: وسبب ذلك أن ذلك كله إنما حمل عليه الاجتهاد المسوغ، والقصد الصالح، وكل مجتهد مصيب، أو أحدهما مصيب، والآخر غير مأثوم بل مأجور كما قررناه في الأصول.