وبقوله: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18] ، يشير إلى أن الله تعالى بفضله وكرمه رضي عنهم أولاً؛ ليكونوا مؤمنين، ويبايعونك ثانياً، ولولا سبقت رضاه لم يؤمنوا ولم يبايعوك، {فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [الفتح: 18] من الضعف والعجز الإنساني؛ {فَأنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 18] ، إذا نظر إلى قلوبهم بنظر الرضاء، {وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً} [الفتح: 18] من مغانم الدنيا والآخرة، وذلك قوله: {وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَان اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً} [الفتح: 19] ، أعزهم بالمغانم في الدنيا والآخرة حكيماً في جميع أفعاله مع عباده.
ثم أخبر عن وعد المغانم ونيل الغنائم بقوله تعالى: {وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا} [الفتح: 20] ، يشير إلى ما وعد الله عباده من المغانم الكثيرة بقوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] ، يأخذونها كل واحد بحسب مطرح نظره وعلو همته، فمن كانت همته الدنيا تعجل لكم هذه، ومن كانت همته الآخرة، {فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ} [الفتح: 20] ؛ أي: أيدي دواعي شهوات النفس عنكم؛ لتكونوا من أهل الجنة لقوله: {وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} [النازعات: 40 - 41] ، ولو وكلكم إلى أنفسكم لاتبعتم الشهوات؛ وهي: دركات الجحيم إذ حفت النار بالشهوات، {وَلِتَكُونَ} [الفتح: 20] في ترك الدنيا وشهوات النفس {آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ} [الفتح: 20] ، يهتدون بهديكم، {وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً} [الفتح: 20] إلى حضرة الربوبية.