والمعنى: أي لقد صدق الله رسوله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - رؤياه التي أراها إياه، أنه يدخل هو وأصحابه البيت الحرام، آمنين لا يخافون أهل الشرك، محلقًا بعضهم ومقصّرًا بعضهم الآخر، فعلم جل ثناؤه ما لم تعلموا، وذلك علمه تعالى ما بمكة من الرجال والنساء المؤمنين، الذين لم يعلمهم المؤمنون، ولو دخلوها هذا العام .. لوطئوهم بالخيل والرجل، فأصابتهم منهم معرّة بغير علم، فردّهم الله تعالى عن مكة من أجل ذلك، فجعل من دون دخولهم المسجد فتحًا قريبًا: هو صلح الحديبية، وفتح خيبر؛ لتستروح إليه قلوب المؤمنين، إلى أن يتيسّر اليوم الموعود.
28 -ثمّ أكّد صدق الرسول في الرؤيا بقوله: {هُوَ الَّذِي} ؛ أي: هو سبحانه وتعالى الإله الذي {أَرْسَلَ} وبعث {رَسُولَهُ} محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ؛ أي؛ اختصّ بإرسال رسوله الذي لا رسول أفضل منه، حال كونه متلبسًا {بِالْهُدَى} ؛ أي: بالقرآن أو بالتوحيد، وهو: شهادة أن لا إله إلا الله، فيكون الجار متعلقًا بمحذوف حال من الرسول، أو بسببه، أو لأجله فيكون متعلقًا بـ {أَرْسَلَ} {وَدِينِ الْحَقِّ} ؛ أي: وبدين الإِسلام، وهو من قبيل إضافة الموصوف إلى صفته مثل: عذاب الحريق، والأصل: الدين الحق، والعذاب المحرق.
ومعنى الحق: الثابت الذي هو ناسخ لجميع الأديان ومبطلها.
{لِيُظْهِرَهُ} ؛ أي: ليظهر الله سبحانه الدين الحق، ويعليه {عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} ؛ أي: على جنس الدين بجميع أفراده التي هي الأديان المختلفة، بنسخ ما كان حقًّا منها من بعض الأحكام المتبدّلة بتبدّل الأعصار، وإظهار بطلان ما كان باطلًا منها، أو بتلسيط المسلمين على أهل سائر الأديان.
والمعنى: أي هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الإِسلام؛ ليبطل به الملل كلها، بنسخ سائر الديانات، وإظهار فساد العقائد الزائفات، حتى لا يكون دين سواه، ولقد أنجز الله وعده، حيث جعله بحيث لم يبق دين من الأديان إلا وهو مغلوب مقهور بدين الإِسلام، ولا يبقى إلا مسلم أو ذمّة للمسلمين، وكم ترى من فتوح أكثر البلاد، وقهر الملوك الشداد، ما تعرف به قدرة الله تعالى، وقيل: ليظهره الرسول على الدين كلّه، والأول: أولى.