{فأنزل السكينة عليهم} .. بهذا التعبير الذي يرسم السكينة نازلة في هينة وهدوء ووقار ، تضفي على تلك القلوب الحارة المتحمسة المتأهبة المنفعلة ، برداً وسلاماً وطمأنينة وارتياحاً.
{وأثابهم فتحاً قريباً} .. هو هذا الصلح بظروفه التي جعلت منه فتحاً ، وجعلته بدء فتوح كثيرة. قد يكون فتح خيبر واحداً منها. وهو الفتح الذي يذكره أغلب المفسرين على أنه هو هذا الفتح القريب الذي جعله الله للمسلمين..
{ومغانم كثيرة يأخذونها} .. إما مع الفتح إن كان المقصود هو فتح خيبر. وإما تاليا له ، إن كان الفتح هو هذا الصلح ، الذي تفرغ به المسلمون لفتوح شتى.
{وكان الله عزيزاً حكيماً} .. وهو تعقيب مناسب للآيات قبله. ففي الرضى والفتح والوعد بالغنائم تتجلى القوة والقدرة ، كما تتجلى الحكمة والتدبير. وبهما يتم تحقيق الوعد الإلهي الكريم.
وبعد ذلك التبليغ العلوي الكريم للرسول الأمين عن المؤمنين المبايعين يتجه بالحديث إلى المؤمنين أنفسهم. الحديث عن هذا الصلح ، أو عن هذا الفتح ، الذي تلقوه صابرين مستسلمين:
{وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ، فجعل لكم هذه ، وكف أيدي الناس عنكم ، ولتكون آية للمؤمنين ، ويهديكم صراطاَ مستقيماً. وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها ، وكان الله على كل شيء قديرا} ..
وهذه بشرى من الله للمؤمنين سمعوها وأيقنوها ، وعلموا أن الله أعد لهم مغانم كثيرة ، وعاشوا بعد ذلك ما عاشوا وهم يرون مصداق هذا الوعد الذي لا يخلف. وهنا يقول لهم: إنه قد عجل لهم هذه. وهذه قد تكون صلح الحديبية - كما روي عن ابن عباس - لتأكيد معنى أنه فتح ومغنم. وهو في حقيقته كذلك كما أسلفنا من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن وقائع الحال الناطقة بصدق هذا الاعتبار. كما أنها قد تكون فتح خيبر - كما روي عن مجاهد - باعتبار أنها أقرب غنيمة وقعت بعد الحديبية.
والأول أقرب وأرجح.