(فصل) مَنْزِلة التوكُّلِ من أَوسع المَنازِل وأَجَلِّها وأَجمعها ، ولا تَزال معمورة بالنأزلين ، فلنذكر معنى التوكلّ ودرجاته.
قال الإِمام أَحمد رحمه الله: التوكُّل عملُ القَلْب ، ومعنى ذلك أَنَّه عملٌ قلبيّ ليس للجوارح فيه مَدْخَل ، وهو من باب الإِدراكات والعُلوم.
ومن الناس من يجعلُه من باب المعارِف فيقول: هو علْمُ القَلْب بِكفاية الربِّ عنده.
ومنهم من يفسّره بسُكون حركة القَلْب فيقول: التَّوكُّل هو انْطِراح القَلْب بين يَدَىِ الله ، كانْطِراح الميّت بين يدي الغاسِل يُقَلِّبه كيف يشاءُ ، أَو تَرْكُ الاختيار والاسترسالُ مع مجارِى الأَقدار.
قال سَهْلٌ: التوكُّل: الاسترسالُ مع الله على ما يريد.
ومنهم من يُفَسِّرهُ بالرِّضَا ، سئل يَحْيَى بنُ مُعاذٍ ، مَتَى يكون الرّجلُ مُتَوَكِّلاً؟ قال: إِذا رَضِىَ بالله وَكِيلاً.
ومنهم من يفسّره بالثقة بالله والطُّمأْنينة إِليه.
وقال ابنُ عَطاء: التوكُّل: أَن لا يَظْهَرَ فيكَ انزِعاجٌ إِلى الأَسباب مع شدّة فاقَتِك إِليها.
وقال ذُو النُّون: هو تَرْك تدبير النَّفْسِ ، والانْخِلاعُ من الحَوْل والقُوَّة.
وإِنَّما يقوِّى العقد على التوكُّل إِذا عَلِم أَنَّ الحقَّ سبحانه يعلم ويَرَى ما هو فيه.
وقيل: التَّوكُّل: التَّعَلُّق بالله فِي كلَّ حال.
وقيل: التوكُّل: أَن تَرِدَ سعليك مَوارِدُ الفاقاتِ فلا تَسْمُو إِلاَّ إِلى من له الكِفايات.
وقيل نَفْى الشُّكوك والتَّفْوِيض إِلى مالِك المُلُوك.
وقال ذُو النُّون: خَلْعُ الأَرْباب ، وقَطْعُ الأَسباب ، يريد قَطْعَها من تعلُّقِ القلب بها لا من مُلابَسةِ الجوارح لها.
ومنهم من جعله مُرَكباً من أَمرين ، قال أَبو سَعِيد الخرّاز: التَّوكُّل.
اضطِرابٌ بلا سُكُون ، وسُكُونٌ بلا اضْطراب.