فَلَوْ كُنْتُ ظَبْيًا مَا عَرَفْتَ قَرَابَتِيْ ... وَلَكِنَّ زِنْجِيًّا عَظِيْمَ الْمَشَافِرِ
أي: أنت لا تعرف قرابتي، وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة بالتخفيف ورفع رسول الله وخاتم النبيين. أي: ولكن هو رسول الله. وقرأ الجمهور: {وَخَاتَمَ} بكسر التاء بمعنى أنه ختمهم؛ أي: جاء آخرهم، وقرأ الحسن والشعبي وزيد بن علي والأعرج بخلاف عنه، وعاصم: بفتح التاء، بمعنى أنهم به ختموا، فهو كالخاتم والطابع لهم الذي يتختمون به، ويتزينون بكونه منهم، وقيل: كسر التاء وفتحها لغتان، قال أبو عبيد: الوجه الكسر, لأن التأويل أنه ختمهم، فهو خاتمهم.
{وَكَانَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {بِكُلِّ شَيْءٍ} من الموجودات {عَلِيمًا} ؛ أي: عالمًا. ومن جملة معلوماته هذه: الأحكام المذكورة هنا، وأنه لا نبي بعده، فيعلم من يليق بأن يختم به النبوة، وكيف ينبغي لشأنه، ولا يعلم أحد سواه ذلك.
والخلاصة: أنه سبحانه يعلم من الأجدر بالبدء به من الأنبياء، ومن الأحق بأن يكون خاتمهم، ويعلم المصالح في ذلك، ونحو الآية قوله: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: هي نص على أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده .. فلا رسول بطريق الأولى، والأحرى, لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة، فإن كل رسول نبي، ولا ينعكس. وبذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فمن رحمة الله بالعباد إرسال محمد إليهم، ثم من تشريفه له ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له. وقد أخبر الله في كتابه، ورسوله في السنة المتواترة، عن: أنه لا نبي بعده؛ ليعلموا أن كل من ادَّعى هذا المقام بعده كذاب أفاك دجال ضال مضل، ولو تخرق وشعبذ وأتى بأنواع السحر والطلاسم والنيرنجيات، فكلها محال وضلال عند أولي الألباب، كما أجرى سبحانه على يدي الأسود العنسي باليمن، ومسيلمة الكذاب باليمامة من الأحوال الفاسدة، والأقوال الباردة.