41 -ثم أمر سبحانه عباده بأن يستكثروا من ذكره بالتهليل والتحميد والتسبيح والتكبير، وبكل ما هو ذكر لله تعالى، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} بالله ورسوله، وصدَّقوهما {اذْكُرُوا اللَّهَ} سبحانه بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم {ذِكْرًا كَثِيرًا} في جميع الأوقات ليلًا ونهارًا، صيفًا وشتاءً، وفي عموم الأمكنة برًا وبحرًا، سهلًا وجبلًا، وفي كل الأحوال حضرًا وسفرًا، صحة وسقمًا، سرًا وعلانيةً، قيامًا وقعودًا، وعلى الجنوب، وفي الطاعة بالإخلاص، وسؤال القبول والتوفيق، وفي المعصية بالامتناع منها، وبالتوبة والاستغفار، وفي النعمة بالشكر، وفي الشدة بالصبر، فإنه ليس للذكر حد معلوم كسائر الفرائض، ولا لتركه عذر مقبول إلا أن يكون المرء مغلوبًا على عقله.
ثم إن ذكر الله، وان كان يشمل الصلاة والتلاوة والدراسة ونحوها، إلا أن أفضل الأذكار: لا إله إلا الله، فالاشتغال به منفردًا، ومع الجماعة محافظًا على الآداب الظاهرة والباطنة ليس كالاشتغال بغيره.
وقال بعضهم: الأمر بالذكر الكثير إشارة إلى محبة الله تعالى، يعني: أحبوا الله؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"من أحب شيئًا أكثر من ذكره". وقال مجاهد: الذكر الكثير: أن لا ينساه أبدًا، وقال الكلبي: الذكر الكثير بالصلوات الخمس.
42 -وقال مقاتل: هو التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير على كل حال. {وَسَبِّحُوهُ} ؛ أي: نزهوه تعالى عما لا يليق به {بُكْرَةً وَأَصِيلًا} ؛ أي: أول النهار وآخره، وقد يذكر الطرفان، ويفهم منهما الوسط، فيكون المراد: سبحوه في جميع الأوقات خصوصًا في الوقتين المذكورين المفضلين على سائر الأوقات؛ لكونهما مشهودين على ما دل قوله عليه الصلاة والسلام:"يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار"، وتخصيصهما بالذكر لمزيد ثواب التسبيح فيهما، وخص التسبيح بالذكر بعد دخوله تحت عموم قوله: {اذْكُرُوا اللَّهَ} تنبيهًا على مزيد شرفه، وإنافة ثوابه على غيره من الأذكار، وقيل: أفرد التسبيح بالذكر من بين الأذكار؛ لكونه العمدة فيها من حيث إنه من باب التخلية.