فلما قطع الله تعالى هذه النسبة بقوله تعالى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ إلى قوله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ثم زاد ذلك بيانا وتأكيدا بوقوع تزويج رسول الله صلّى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله عنها لما طلقها زيد بن حارثة رضي الله عنه. ولهذا قال تعالى في آية التحريم: وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء: 23] ليحترز من الابن الدّعي فإنّ ذلك كان كثيرا فيهم).
أقول: لاحظنا من هذه الفائدة ومما سبقها أن هناك ثلاث قضايا في هذه السورة مترابطة فيما بينها: قضية تحريم التبني الوارد في أول السورة، وموضوع نكاح الرسول
صلّى الله عليه وسلم زينب الذي هو هدم لقاعدة التبني، وموضوع عدم دخول بيت الرسول صلّى الله عليه وسلم والجلوس فيه إلا بشروط. ونلاحظ أن المعاني الثلاثة جاءت متفرقة مع أن القصة واحدة والقضية واحدة. وذلك يدلنا على أن كل معنى في القرآن إنما يوضع في محله، ليؤدّي دوره الخاص والعام، في سياق السورة الخاص والعام. فالوحدة القرآنية شيء أعمّ من وحدة الموضوع الواحد، إنّ الوحدة القرآنية لتشبه الوحدة الموجودة في هذا الكون، فلم يخلق الله الحديد وحده، ولا النحاس وحده، ولكنه خلق هذا الكون كما نراه، وجعل فيه من التناسق والتكامل ما لا ينقضي منه العجب، وكما أن الكون كتاب الله المفتوح، فالقرآن كتاب الله المقروء. وقد جعل الله في هذا القرآن من التكامل والتناسق ما لا يحاط به.
12 - [كلام ابن كثير بمناسبة آية الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ .. وتعليق المؤلف على ذلك]