لذلك سمَّاه القرآن فاحشةً ، والدليل على فُحْشه أن الموصوم به يحب ألاَّ يُعرف ، وأن تظل جرائمه خِلْسة من المجتمع ، وأن الذي يقترف هذه الفاحشة يكره أن تُفعلَ في محارمه ، ويكفيها فُحْشاً أن الله تعالى سماها فاحشة ، وشرع لها حداً يُقام على مرتكبها علانية أمام أعين الجميع.
وقد عالج رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الداء ، حينما أتاه شاب يشتكي ضعفه أمام غريزته الجنسية ، ويقول له: يا رسول الله ائذن لي في الزنا ، والنبي صلى الله عليه وسلم أتى بقضايا دينيه عامة للجميع ، ولكن حين يعالج داءات المجتمع يعالج كل إنسان بما يناسبه ، وعلى حَسْب ما فيه من داءات الضعف أمام شهوات نفسه.
ويتضح لنا هذا المنهج النبوي في جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد سُئِلَ كثيراً عن أفضل الأعمال ، فقال لأحدهم:"الصلاة لوقتها".
وقال لآخر:"أن تلقى أخاك بوجه طلق".
وقال لآخر:"أن تبر أخاك".
وهكذا تعددتْ الإجابات ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يصف مزيجاً عاماً يعطيه للجميع ، بل يعطي لكل سائل الجرعة التي تُصلِح خللاً في إيمانه ، كالطبيب الذي يهتم بعلاج مريضه ، فيُجرى له التحاليل والفحوصات اللازمة ؛ ليقف على موضع المرض ويصِف العلاج المناسب.
فكيف استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الشاب الذي جاءه يقول: يا رسول الله إني أصلي وأصوم ، وأفعل كل أوامر الدين إلا أنني لا أقدر على مقاومة هذه الغريزة؟
هل نهره واعتبره شاذاً ، وأغلق الباب في وجهه؟ لا والله ، بل اعتبره مريضاً جاء يطلب العلاج بعد أن اعترف بمرضه ، والاعتراف بالمرض أولى خطوات الشفاء والعافية.
وهذا الشاب ما جاء لرسول الله إلا وهو كاره لمرضه ، وأول ظاهرة في العافية أن تعترف بمرضك ، ولا تتكبر عليه ، فإنْ تكبَّرتَ عليه استفحلَ واستعصى على العلاج.