كأنَّ الغنى في أهله بورك الغنى ... بغير لسانٍ ناطقٌ بلسان
وقال يحيى بن حكم الغزال، وتروى لغيره ابن المعتز، أو غيره:
إذا كنت ذا ئروةٍ من غنًى ... فأنت المسوَّد في العالم
وحسبك من نسب صورةٌ ... تخبِّر أنَّك من آدم
وللغزال أيضاً:
إنِّى حلبت الدَّهر أصناف الدِّرر ... فمرَّةً حلوٌ وأحياناً مقر
وعلقماً حيناً وأحياناً صبر ... وجلُّ ما يسقيكه الدَّهر كدر
فلم أجد شيئاً من الفقر أمرّ ... ألا ترى أكثر من فيها يفرّ
مخافة الفقر إلى نارٍ سقر وقال آخر:
لعمرك إنَّ القبر خيرٌ من الفقر ... لمن كان ذا يسرٍ وعاد إلى عسر
ولعروة بن الورد:
دعيني للغنى أسمى فإنِّي ... رأيت النَّاس شرُّهم الفقير
وأحقرهم وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له كرمٌ وخير
يباعده الخليل وتزدريه ... حليلته وينهره الصَّغير
وتلقي ذا الغنى وله جلالٌ ... يكاد فؤاد صاحبه يطير
قليلٌ عيبه والعيب جمٌ ... ولكن للغنى ربٌّ غفور
وقال آخر:
رأيت النَّاس لمَّا قلَّ مالي ... وأكثرت الغرامة ودَّعوني
فلمَّا أن غنيت وثاب وفرى ... إذا هم لا أب لك راجعني
وقالوا: بقدر ما يعطى الغنيُّ من الإيسار، يعطى من الإجلال، وبقدر ما ينزل بالفقير من فقر يذهب بهاؤه وتتضع منزلته، حتى يتهمه من كان يأمنه، ويسيء به الظن من كان يثق به.
ومحاسن الغني مساوئ الفقير، إذا كان جواداً قالوا: مبذر، وإن كان لسناً قالوا: مهذار، وإن كان شجاعاً، قالوا: أهوج، وإن كان حليماً صموتاً، قالوا: عيّ بليد، وكل شيء هو للغنيّ مدح هو للفقير ذم.
قال الشاعر:
لعمرك إنَّ المال قد يجعل الفتى ... سنيَّاً وإنَّ الفقر بالمرء قد يزري
فما رفع النَّفس الدَّنيئة كالغنى ... ولا وضع النَّفٍس الكريمة كالفقر
وقال حبيب:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسَّيل حربٌ للمكان العالي
وللمغيرة بن حبناء:
وما الفقر يزري بالرَّجال ولا الغنى ... ولكن قلوب القوم للقوم تقدح
وقال امرؤ القيس:
بكى صاحبي لما رأى الدَّرب دونه ... وأيقن أنَّا لاحقان بقيصرا
فقلت له: لا تبك عينك إنَّما ... نحاول ملكاً أو نموت فنعذرا
وقال أبو العتاهية:
أجلَّك قومٌ حين صرت إلى الغنى ... فكلُّ غنيٍّ في العيون جليل
إذا مالت الدُّنيا إلى المرء رغَّبت ... إليه ومال النَّاس حيث يميل
وليس الغنى إلاَّ غنىً زيَّن الفتى ... عشيَّة يقرى أو غداة ينيل
وقال الصَّلتان العبديّ: