إذا قلت يوماً لمن قد ترى ... أروني السّريَّ أورك الغنى
وقال ابن سعدان:
تقنَّع بما يكفيك والتمس الرِّضا ... فإنَّك لا تدري أتصبح أم تمسي
فليس الغنى عن كثرة المال إنَّما ... يكون الغنى والفقر من قبل الَّنفس
وقال بكر بن أذينة:
كم من فقيرٍ غني النَّفس نعرفه ... ومن غنيٍّ فقير النَّفس مسكين
وقال محمود الوراق:
لبست صروف الدَّهر كهلاً وناشئاً ... وجرَّبت حالي على العسر واليسر
فلم أر بعد الدِّين خيراً من الغنى ... ولم أر بعد الكفر شراً من الفقر
ولمحمود الوراق:
يا عائب الفقر ألا تزدجر ... عيب الغنى أكثر لو تعتبر
من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى إن صحَّ منك النَّظر
أنَّك تعصي كي تنال الغنى ... ولست تعصي الله كي تفتقر
وفي رواية أخرى:
أنَّك تعصي الله ترجو الغنى ... ولست تعصي الله كي تفتقر
وقال آخر:
ولا تعدني الفقر يا أمّ مالكٍ ... فإنَّ الغنى للمنفقين قريب
وهذا مأخوذ والله أعلم من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:"يقول الله يا ابن آدم أنفق أنفق عليك".
وقال بعض الحكماء في ذم الغنى: طالب الغنى طويل العناء، دائم النَّصب، كثير التعب، قليل منه حظُّه، خسيس منه نصيبه، شديد من الأيام حذره، ثم هو بين سلطان يرعاه، ويفغر عليه فاه، وبين حقوق تجب عليه، يضعف عن منعها، وبين أكفاء وأعداء ينالونه ويحسدونه ويبغون عليه، وأولاد يمُّلونه ويودون موته، ونوائب تعتريه وتحزنه.
وقال بشر بن المعتمر المتكلم:
وإذا الجهول رأيته مستغنياً ... أعيا الطَّبيب وحيلة المحتال
وقال الخليل بن أحمد:
ما أسمج النُّسك بسأل ... وأقبح البخل بذي المال
من كان محتاجاً إلى أهله ... هان على ابن العمِّ والخال
ما وقع الإنسان في ورطةٍ ... أزرى به من رقَّة الحال
قيل لبعض الحكماء: ما بالنا نجد من يطلب المال من العلماء أكثر ممن يطلب العلم من ذوي الأموال؟
قال: لمعرفة العلماء بمنافع المال، وجهل ذوي الأموال بمنافع العلم.
قال الشاعر:
ألم تر أنَّ الفقر يزري بأهله ... وإنَّ الغنى فيه العلا والتَّجمُّل
قال أحيحة بن الجلاح:
استغن عن كلِّ ذي قربى وذي رحمٍ ... إنَّ الغنيَّ من استغنى عن النَّاس
والبس عدوَّك في رفقٍ وفي دعةٍ ... لباس ذي إربة للدَّهر لبَّاس
انتهى انتهى {بهجة المجالس وأنس المجالس، لابن عبد البر} ...