أما في حياتهما فيدعو لهما بالرحمة سواء كانا مسلمين أم كافرين، ورحمة الكافرين بهدايتهما إلى الإسلام. وأما بعد الموت فلا يسأل الرحمة لهما إلاّ إذا ماتا مسلمين؟ لقوله تعالى: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة: 113] .
والكاف في قوله تعالى: {كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} للتعليل أي رب ارحمهما لتربيتهما لي، وجزاء على إحسانهما إلي في حالة الصغر: حالة الضعف والافتقار. وفي هذا اعتراف بالجميل، وإعلان لسابق إحسانهما العظيم، وتوسل إلى الله تعالى في قبول دعائه لهما بما قدما من عمل؛ لأنه وعد أنه يجزي العاملين، وقد كانت تربيتهما لولدهما من أجل مظاهر الرحمة. وهو قد أخبر تعالى على لسان رسوله: «أنه يرحم الراحمن» (2) ولا أرحم - بعده تعالى - من الوالدين.
خاتمة:
من بر الوالدين:
1 -أن نتحفظ من كل ما يجلب لهما سوءًا من غيرنا، فإن فاعل السبب فاعل للمسبب، ومن هذا أن لا نسب الناس حتى لا يسبوا والدينا، لأنا إذا سببنا الناس فسبوهما كنا قد سببناهما، وسبهما من أكبر الكبائر: ففي الصحيح عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه! قيل يا رسول الله: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: يسب الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسب أمه، فيسب أمها
2 -ومن برهما حفظهما بعد موتهما بالدعاء والاستغفار، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما وصلة رحمهما، فقد روى ابن ماجه وأبو داوود وابن حبان في صحيحه، عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي البدري رضي الله عنه، قال:
«بينا نحن جلوس عند رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - إذ جاء رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل الا بهما، وإكرام صديقهما