وفى الوقت نفسه لم يترك ابن المنير فرصة تمر بدون أن يكيل للزمخشري بمثل كيله من الإقذاع فِي القول والسخرية به وبأمثاله من المعتزلة، فنراه يرد هجمات الزمخشري التي يشنها على أهل السُّنَّة بعبارات شديدة يوجهها إلى الزمخشري وأصحابه، مع تحقيره له ولهم، واستتبشاعه لتفسيره وتفسيرهم.
فمثلاً فِي سورة آل عمران عندما تلكم الزمخشري عن قوله تعالى فِي الآية [18] : {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ} .. الآية، ونوَّه بأنه وأصحابه أهل العدل والتوحيد، وأنهم أُولوا العلم المرادون بالآية، وصرَّح - أو كاد - بخروج أهل السُّنَّة من مِلَّة الإسلام. عندما تكلم الزمخشري بهذا كله، عقَّب عليه ابن المنير بتهكمه اللاذع، وسخريته الفاضحة فقال:"وهذا تعريض بخروج أهل السُّنَّة من ربقة الإسلام، بل تصريح، وما ينقم منهم إلا أن صدَّقوا وعد الله عباده المكرمين على لسان نبيهم الكريم صلى الله عليه وسلم بأنهم يرون ربهم كالقمر ليلة البدر لا يضامون فِي رؤيته، ولأنهم وحَّدوا الله حق توحيده، فشهدوا أنْ لا إله إلا هو، ولا خالق لهم ولأفعالهم إلا هو، واقتصروا على أن نسبوا لأنفسهم قدرة تقارن فعلهم، لا خلق لها ولا تأثير غير التمييز بين أفعالهم الاختيارية والاضطرارية. وتلك هي المُعَبَّرُ عنه شرعاً بالكسب فِي مثل قوله تعالى: {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} ."
هذا إيمان القوم وتوحيدهم، لا كقوم يغيرون فِي وجه النصوص، فيجحدون الرؤية التي يظهر أن جحدهم لها سبب فِي حرمانهم إياها، ويجعلون أنفسهم الخسيسة شريكة لله فِي مخلوقاته، فيزعمون أنهم يخلقون لأنفسهم بما شاءوا من أفعال على خلاف مشيئة ربهم، محادة ومعاندة لله فِي مُلكه، ثم بعد ذلك يتسترون بتسمية أنفسهم: أهل العدل والتوحيد، والله أعلم بمن اتقى، ولَجَبْرٌ خيرٌ من إشراك، إن كان أهل السُّنَّة مجبرة فأنا أول المجبِّرين.