فالجواب عن ذلك أني أقول: هذه الآية ليست كالذي أنكرته، فإن هذا الموضع ينظر فيه إلى الكثير والقليل، فإذا كثر كان تعاظلًا لتراكبه وثقله على النطق، وقد عرَّفتك أن ما يفصل بين صيغه بواو العطف يكون أقل ثقلًا مما لا يفصل، والذي أنكرته من ذلك هو أن يأتي ألفاظ مكررة على صيغة واحدة كأنها عُقَدٌ متصلة، فحينئذ يثقل النُّطْق بها، ويكره موقعها من السمع كبيت أبي الطيب المتنبي.
وأمَّا هذه الآية المشار إليها فإنها خارجة عن هذا الحكم.
ألا ترى أنها لما وردت ألفاظها على صيغة واحدة فُرِّق بينها بواو العطف، ثم مع التفريق بينها بواو العطف لم يرد التكرير فيها إلّا بين ثنتين، وهما"خذوهم""واحصروهم".
وأما الصيغة الأولى فإنها أضيف إليها كلام آخر، فقيل: {اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} ولم يقل: اقتلوا المشركين وخذوهم، ثم لما جاءت الصيغة الرابعة أضيف إليها كلام آخر أيضًا فقيل: {وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ} .
لا جرم أن الآية جاءت غير ثقيلة على النطق مع توارد صيغة صيغة الأمر فيها أربع مرار.
وهذه رموز ينبغي أن يتنبّه لها في استعمال الألفاظ إذا جاءت هكذا.
{لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (27) }
ألا ترى أنه قال أولا: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ} ، فذكر مضمرا تقدم الكلام فيه، ثم عطف المظهر الذي هو له، وهو قوله: {ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ} ، وكان العطف لو أضمر كما أضمر الأول لقيل: ثم أنزل الله سكينته عليكم، وأنزل جنودا لم تروها.
وفائدة الإظهار ههنا للمعطوف بعد إضماره أولًا التنويه بذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر المؤمنين، أو؛ لأن الأمر عظيم، وهو الانتصار بعد الفرار، فأي الأمرين قدر كان لإظهار المعطوف مناسبًا.
وهكذا يكون عطف المظهر على ضميره، فإنه يستند إلى فائدة يهم ذكرها، فإن يكن هناك 2 مثل هذه الفائدة، وإلا فلا يحسن الإظهار بعد الإضمار.